و لا ذهبت غلطا، على أنّني فضّلت عليه من هو أولى بالفضل منه «عليّ بن أبي طالب» (صلوات الله عليه) الذي تجلبب بالوقار، و نبذ الشنار، و عاف (1) العار، و عمد الإنصاف و أبّد الأوصاف (2)، و حصّن الأطراف، و تألّف الأشرار؛ و أزال الشكوك [في اللّه] بشرح ما استودعه الرسول من مكنون العلم الذي نزل به الناموس (3) و حيا من ربّه، و لم يفتر طرفا، و لم يصمت الفا، و لم ينطق خلفا؛
الذي شرفه فوق شرفه، و سلفه في الجاهليّة أكرم من سلفه، لا تعرف المادّيات في الجاهليّة إلّا بهم، و لا الفضل إلّا فيهم، صفة من اصطفاها اللّه و اختارها؛
فلا يغترّ الجاهل بأنّه قعد عن الخلافة بمثابرة من ثابر عليها، و جالد بها و السلال المارقة، و الأعوان الظالمة، و لئن قلتم ذلك كذلك إنّما استحقّها بالسبق تاللّه مالكم الحجّة في ذلك، هلّا سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة [و المنازل] الشعبة، و المعارك المرّة، كما سبق إليها عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه) الذي لم يكن بالقبعة و لا الهبعة (4)، و لا مضطغنا (5) آل اللّه، و لا منافقا رسول اللّه.
كان يدرأ عن الإسلام كلّ اصبوحة، و يذبّ عنه كلّ امسية، و يلج بنفسه (6) في الليل الديجور المظلم الحلكوك (7)، مرصدا للعدوّ، هوذل تارة، و تضكضك (8) اخرى
(1)- عاف الشيء: كرهه.و امرأة قبعة طلعة، تقبع مرّة و تطلع اخرى. و القبعة أيضا: طوير أبقع مثل العصفور، يكون عند حجرة الجرذان، فإذا فزع و رمي بحجر انقبع فيها. و هبع هبوعا: مشى و مدّ عنقه، و كأنّ الأوّل كناية عن الجبن، و الثاني عن الزهو و التبختر» منه ره.
(5)- اضطغن فلان على فلان: حقد و أبغضه بغضا شديدا؛ ضغن.و الضكضكة: مشية في سرعة. و تضكضك: انبسط و ابتهج، و الأخير أنسب» منه ره.