موضع العظة من خطبته، قام إليه رجل، فقال له:
مهلا مهلا، إنّكم تأمرون و لا تأتمرون، و تنهون و لا تنتهون، و تعظون و لا تتّعظون، أ فاقتداء بسيرتكم؟ أم (1) طاعة لأمركم (2)؟
فإن قلتم: اقتداء بسيرتنا، فكيف يقتدى بسيرة الظالمين؟ و ما الحجّة في اتّباع المجرمين الذين اتّخذوا مال اللّه دولا (3)، و جعلوا عباد اللّه خولا (4)؟ و إن قلتم: أطيعوا أمرنا و اقبلوا نصحنا، فكيف ينصح غيره من لم ينصح نفسه؟
أم كيف تجب طاعة من لم تثبت له عدالة؟ و إن قلتم: خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، و اقبلوا العظة ممّن سمعتموها فلعلّ فينا من هو أفصح بصنوف العظات، و أعرف بوجوه اللّغات منكم، فتزحزحوا عنها، و أطلقوا أقفالها، و خلّوا سبيلها، ينتدب (5) لها الّذين شرّدتم في البلاد، و نقلتموهم عن مستقرّهم إلى كلّ واد، فو اللّه ما قلّدناكم أزمّة أمورنا، و حكّمناكم في أموالنا و أبداننا و أدياننا لتسيروا فينا بسيرة الجبّارين، غير أنّا نصبّر أنفسنا (6) لاستيفاء (7) المدّة، و بلوغ الغاية، و تمام المحنة، و لكلّ قائم منكم يوم لا يعدوه، و كتاب لا بدّ أن يتلوه «لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصها» (8):
«و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون» (8).
(1)- «أو» م.