عن صلاة الخوف فنزل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية هو في الظاهر كالمتصل به و هو منفصل عنه. (1)
____________فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمّد و أصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم! فقال قائل منهم: ان لهم مثلها اخرى في أثرها، فأنزل اللّه بين الصلاتين: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» الى قوله «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» فنزلت صلاة الخوف.
أقول: قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عليه روايات الفريقين متواترة، و قد كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول اللّه ص، حتى إذا جاء التابعون و ظهر أصحاب الرأى و الفتيا، توهموا أن حكم القصر في الصلاة انما ثبت بالآية الكريمة: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» فجعلوه رخصة لا عزيمة. و لكنهم مع ذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الاعداء ليس بشرط في قصر الصلاة، و انما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة، و لذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الآية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة.
فذهب بعضهم الى أن حكم القصر في الاسفار، انما يثبت بالسنة، و ان كانت الآية بظاهرها تدلّ على أن القصر يثبت بشرطين: السفر و المخافة معا، فحكم الآية بوجوب القصر مع الشرطين، لا ينافى حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد. و بعضهم كأبى بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا و كتب في مصحفه: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» الآية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من اللّه عزّ و جلّ خوفا منه على الأمة أن بفتنهم الذين كفروا، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أو لم يخافوا كما في قوله تعالى «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» أى مخافة منه أن تضلوا.
لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» يصرح بأن حكم القصر انما كان في ظرف المخافة و عدم الطمأنينة، فلا يفيد انكاره نزول «إِنْ خِفْتُمْ» كما أن قوله تعالى: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ» الآية انما ينظر الى سفرهم و خوفهم من الاعداء، و هو واضح. ثمّ انه قد أتى بعضهم الآخر ببدع و اختلق حديثا نسبه الى عظماء الاصحاب بأن صدر الآية نزلت قبل ثمّ انقطع الوحى، ثمّ نزل تتمه الآية بعد سنة، و هو كما ترى لا يدفع الاشكال، بل يثبته. و ذلك لان الشرط: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ» اذا لحق بصدر الآية و فيها حكم القصر، صار مقيدا لاطلاقه، و لزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الاعداء و جاء الاشكال برمته بعد سنة، و إذا لم يلحق بصدر هذه الآية- و هو خلاف ظاهر الكتاب و السنة- صار ذيل الآية: «إِنْ خِفْتُمْ» الخ لغوا من القول تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.