بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والثمانون 86 · صفحة 8 من 391

[صفحة 8]

عن صلاة الخوف فنزل‏ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية هو في الظاهر كالمتصل به و هو منفصل عنه. (1)

____________
(1) و أخرج ابن جرير عن عليّ (عليه السلام) (على ما في الدّر المنثور ج 2 ص 209) قال: سأل قوم من التجار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: يا رسول اللّه انا نضرب في الأرض فكيف نصلى؟ فأنزل اللّه: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» ثمّ انقطع الوحى.

فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمّد و أصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم! فقال قائل منهم: ان لهم مثلها اخرى في أثرها، فأنزل اللّه بين الصلاتين: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» الى قوله‏ «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» فنزلت صلاة الخوف.

أقول: قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و عليه روايات الفريقين متواترة، و قد كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول اللّه ص، حتى إذا جاء التابعون و ظهر أصحاب الرأى و الفتيا، توهموا أن حكم القصر في الصلاة انما ثبت بالآية الكريمة: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» فجعلوه رخصة لا عزيمة. و لكنهم مع ذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الاعداء ليس بشرط في قصر الصلاة، و انما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة، و لذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الآية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة.

فذهب بعضهم الى أن حكم القصر في الاسفار، انما يثبت بالسنة، و ان كانت الآية بظاهرها تدلّ على أن القصر يثبت بشرطين: السفر و المخافة معا، فحكم الآية بوجوب القصر مع الشرطين، لا ينافى حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد. و بعضهم كأبى بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا و كتب في مصحفه: «وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» الآية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من اللّه عزّ و جلّ خوفا منه على الأمة أن بفتنهم الذين كفروا، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أو لم يخافوا كما في قوله تعالى‏ «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» أى مخافة منه أن تضلوا.

لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ» يصرح بأن حكم القصر انما كان في ظرف المخافة و عدم الطمأنينة، فلا يفيد انكاره نزول‏ «إِنْ خِفْتُمْ» كما أن قوله تعالى: «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ» الآية انما ينظر الى سفرهم و خوفهم من الاعداء، و هو واضح. ثمّ انه قد أتى بعضهم الآخر ببدع و اختلق حديثا نسبه الى عظماء الاصحاب بأن صدر الآية نزلت قبل ثمّ انقطع الوحى، ثمّ نزل تتمه الآية بعد سنة، و هو كما ترى لا يدفع الاشكال، بل يثبته. و ذلك لان الشرط: «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ» اذا لحق بصدر الآية و فيها حكم القصر، صار مقيدا لاطلاقه، و لزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الاعداء و جاء الاشكال برمته بعد سنة، و إذا لم يلحق بصدر هذه الآية- و هو خلاف ظاهر الكتاب و السنة- صار ذيل الآية: «إِنْ خِفْتُمْ» الخ لغوا من القول تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

التالي صفحة 8 من 391 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...