يا أنجشة رفقا بالقوارير» يعنى النساء. و قد عرفت في تفسير قوله تعالى: «وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً» أنهم كانوا يزفون عرائسهم بالنهار و يضربون بالدف و يتغنون و قد يمرون بها من باب مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلا ينكر عليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و تارة يضربون بالطبل لإيذان الناس بمجيء التجارة و الميرة فيسمع ذلك رسول اللّه و لا ينكر عليهم، لان في ذلك غرضا عقلائيا، ليس ذلك للهو و اللعب و الترقص. و أمّا القرآن المجيد فانما أنكر في هذه الآية على المصلين الذين ينصرفون الى استماعه و يتركون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قائما يخطب، و لم يذكر المغنين للعرس و الضاربين بالطبل للتجارة لا بمدح و لا قدح، و انما قال عزّ و جلّ «قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» فهذا حال الغناء و الضرب بالدف و الطبل، و مثلها المزمار الذي يتخذه الرعاة لجمع مواشيهم و أغنامهم، ليس بها بأس، و قد فعلوا ذلك بمرأى و مسمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و أمّا بعد ذلك فكما عرفت من المؤرخ الكبير ابن خلدون و أشار إليه أبو الفرج صاحب الغناء و الأغاني، قد خرج الغناء و الضرب بالدف و الطبول الى البطالة و اللهو و الترقص و التعشق، و صار مقصودا لذاته يستلذون به بعد ما كان حين حياة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و بعده بيسير مقصودا لغيره، فلذلك أفتى أبو جعفر الباقر و ابنه جعفر الصادق و هكذا سائر الأئمّة (عليهم السلام) واحدا بعد واحد في عصرهم بعدم جواز التغنى و هكذا ضرب المعازف و غيرها، و أنكروا على المسلمين شديدا حين شاع الغناء الصناعى في أندية المسلمين على أيدي خلفاء بني العباس، و جعلوها من الباطل مقابل الحق الذي ليس وراءه الا الضلال، و كل ضلالة سبيلها الى النار.