فقدم ذات جمعة- و كان ذلك قبل أن يسلم- و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس فلم يبق في المسجد الا اثنا عشر رجلا و امرأة.
فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لو لا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء و أنزل اللّه هذه الآية.
أقول: و الظاهر من الآية الشريفة- حيث أخذ ذلك وصفا لهم- أن تلك الفعلة القبيحة تكررت منهم ثمّ نزلت الآية تعييرا لهم، و يؤيد ذلك ما نقله في الدّر المنثور عن البيهقيّ في شعب الايمان عن مقاتل بن حيان أنّه قال: فبلغني- و اللّه أعلم- أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرّات، و هكذا نقل الطبرسيّ في المجمع عن قتادة و مقاتل أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة. و الظاهر من قوله تعالى «تِجارَةً أَوْ لَهْواً» حيث عطف اللهو على التجارة بأو، أن اللهو معدود باستقلاله كالتجارة و أن الانفضاض الى اللهو حين خطبة الصلاة مذموم كما أن الانصراف الى التجارة حينذاك مذموم، و لذلك قال بعده «ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ» فعد اللهو في قبال التجارة. و أمّا ما قيل: «ان اللهو شيء غير مقصود لذاته و المقصود لذاته التجارة و انما خصت التجارة بعود الضمير إليها في قوله «انْفَضُّوا إِلَيْها» لانها كانت اهم اليهم و هم بها أسر من الطبل، لان الطبل انما دل على التجارة و قدوم العير» فليس على محله، فان ضرب الطبل وحده قصدا لاخبار الناس لا بأس به، و ليس هو من اللهو، و ان كان مع ضرب الطبل معازف اخرى يستلذ بها الناس فهو لهو قطعا لكنه موجب لانصراف الناس عن التجارة أيضا، و ما كان التجارة ليفعلوا ذلك، كما لم ينقل.
فالمعول على حديث جابر حيث قال: «فاذا كان نكاح، لعب أهله و عزفوا و مروا باللهو على المسجد» و قد نقل عنه الطبرسيّ أن المراد باللهو المزامير.
فالمزامير و أمثالها من المعارف التي يكون الغرض منها و من سماعها الاستلذاذ.