و عنه أيضا قال: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى قبض عمر!. تاريخ ابن كثير 8- 107. و بعد كلّ هذا، فها هو عمر يصرّح على المنبر: أحرّج باللّه على رجل يسأل عمّا لم يكن، فإنّ اللّه قد بيّن ما هو كائن.. سنن الدارميّ 1- 50، جامع بيان العلم 2- 141. و من الشواهد المؤلمة قصّة صبيغ- فقد رويت عن جمع من الصحابة و بألفاظ مختلفة- أنّ رجلا يقال له: صبيغ، قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر- و قد أعدّ له عراجين النخل- فقال له: من أنت؟. قال: أنا عبد اللّه صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه!، و قال: أنا عبد اللّه عمر، فجعل له ضربا حتّى دمي رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي!. و عن السائب: فلم يزل وضيعا في قومه حتّى هلك و كان سيّد قومه!. انظر: سنن الدارميّ: 1- 54 و 55، و تاريخ ابن عساكر 6- 384، و تفسير ابن كثير 4- 232، و الإتقان للسيوطي 2- 5، و كنز العمّال 1- 228، 229، و فتح الباري 8- 17، و سيرة عمر لابن الجوزي: 109، و إحياء العلوم 1- 30 و غيرها. و بعد نهيه عن القرآن تفسيرا، و الحديث رواية، و السنّة تدوينا، منع عن الكتب و المؤلّفات قراءة أو حفظا، و نسخا و تدوينا. و قد جاء بطرق مختلفة و مضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها، منها أنّه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها، و قد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس.. و قد عاقب آخر و ضربه حتّى قال: دعني، فو اللّه لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلّا أحرقته، فتركه!. و قد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الإسكندريّة، و تلك قصّة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرّخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطي- المتوفّى سنة 684 ه- صفحة: 180، و تاريخ التمدّن الإسلامي لجرجي زيدان 3- 40 و 42 و غيرهما، و قد ناقشها بعض المتأخّرين منّا بما لا حاصل فيه، و لم نعقد حواشينا لتفصيلها، و قد أسندها و فصّل البحث فيها شيخنا الأميني في غديره 6- 297- 302، فراجع. ثمّ بعد هذا فقد حرّم خليفتهم كلّ بحث و تحقيق- كما ذكره حجّة إسلامهم الغزالي- يقول في إحياء العلوم: 1- 30: و [عمر] هو الذي سدّ باب الكلام و الجدل، و ضرب صبيغا بالدرّة لمّا أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب اللّه، و هجره، و أمر الناس بهجره!!.
فهل يبقى- و الحال هذه- مبدأ لأصول التعليم و التعلّم؟ و من هنا قد حرّمت الأمّة الكثير الكثير و نزلت الحضيض الحضيض ببركة تلك الدرّة و صاحبها.