و قال ابن ميثم: و كنّى بها عمّا يوقع بهم بنو أميّة و غيرهم من أمراء الجور من الهموم المزعجة، و خلط بعضهم ببعض، و رفع أراذلهم، و حطّ أكابرهم عمّا يستحقّ كلّ من المراتب (1). و قال الجزري: فيه: دنت الزلازل، و البلابل: هي الهموم و الأحزان، و بلبلة الصّدور (2): وسواسه..، وَ مِنْهُ الْحَدِيثُ: «إِنَّمَا عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْبَلَابِلُ وَ الْفِتَنُ».
يعني هذه الأمّة، وَ مِنْهُ خُطْبَةُ عَلِيٍّ (ع): «لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً» (3).
انتهى. و الأظهر أنّ المراد اختلاطهم و اختلاف أحوالهم و درجاتهم في الدين بحسب ما يعرض لهم من الفتن.
قوله (عليه السلام): لتغربلنّ غربلة.. الظاهر أنّها مأخوذة من الغربال الّذي يغربل به الدّقيق، و يجوز أن تكون من قولهم: غربلت اللّحم.. أي قطعته (4)، فعلى الأول الظاهر أنّ المراد تمييز جيّدهم من رديّهم، و مؤمنهم من منافقهم، و صالحهم من طالحهم، بالفتن التي تعرض (5) لهم، كما أنّ في الغربال يتميّز اللبّ من النخالة، و قيل: المراد خلطهم، لأنّ غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض. و قال ابن ميثم: هو كناية عن التقاط آحادهم و قصدهم بالأذى و القتل، كما فعل بكثير من الصحابة و التابعين (6)، و لا يخفى ما فيه. و على الثاني، فلعلّ المراد تفريقهم و قطع بعضهم عن بعض.
قوله (عليه السلام): و لتساطنّ سوط القدر.. قال الجزري: ساط القدر
(1) شرح النهج لابن ميثم 1- 300، خطبة 15.