بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع عشر 14 · صفحة 31 من 528

[صفحة 31]

و عاد إلى عبادة ربه فشغله الفكر في أمرها عن بعض نوافله فعوتب. و خامسها أنه عوتب على عجلته في الحكم قبل التثبت و كان يجب عليه حين سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيه و لا يحكم عليه قبل ذلك و إنما أنساه التثبت في الحكم فزعه من دخولهما عليه في غير وقت العادة انتهى. (1) و قال الرازي بعد رد الرواية المشهورة و الطعن فيها و إقامة الدلائل على بطلانها و ذكر بعض الوجوه السابقة و تزييفها.

روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود(ع)و كان له يوم يخلو فيه بنفسه و يشتغل بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم و تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ‏ فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما يمنعونه منهم فخافوا و وضعوا كذبا فقالوا خَصْمانِ بَغى‏ بَعْضُنا عَلى‏ بَعْضٍ‏ إلى آخر القصة و ليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة أحدها قوله‏ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ‏ و ثانيها قوله‏ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ‏ و ثالثها قوله‏ وَ أَنابَ‏ و رابعها قوله‏ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ‏ ثم نقول و هذه الألفاظ لا يدل شي‏ء منها على ما ذكروه و تقريره من وجوه.

الأول أنه لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق و علم داود(ع)دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم إلا أنه مال إلى التصفح و التجاوز عنهم طلبا لمرضاة الله تعالى فكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء و الامتحان ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم و تاب عن ذلك الهم‏ وَ أَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ‏ (2) ذلِكَ‏ الْقَدْرَ مِنَ الْهَمِّ وَ الْعَزْمِ. و الثاني أنه و إن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن و قال لما لم تقم دلالة و لا أمارة على أن الأمر كذلك فبئس ما عملت بهم حين ظننت بهم هذا الظن الردي‏ء فكان هذا هو المراد من قوله‏ وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ‏ منه فغفر الله له ذلك.

____________
(1) مجمع البيان 8: 471- 472.
(2) في المصدر: فغفر له ذلك.
التالي صفحة 31 من 528 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...