بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء العاشر 10 · صفحة 171 من 461

[صفحة 171]

تَرْكَهُ وَ لَا أَمَرَهُ بِشَيْ‏ءٍ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ الْجَوْرُ وَ الْعَبَثُ وَ الظُّلْمُ وَ تَكْلِيفُ الْعِبَادِ مَا لَا يُطِيقُونَ قَالَ فَمَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ كَافِراً يَسْتَطِيعُ الْإِيمَانَ وَ لَهُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ الْإِيمَانَ حُجَّةٌ قَالَ(ع)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ جَمِيعاً مُسْلِمِينَ‏ (1) أَمَرَهُمْ وَ نَهَاهُمْ وَ الْكُفْرُ اسْمٌ يَلْحَقُ الْفِعْلَ حِينَ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ وَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْعَبْدَ حِينَ خَلَقَهُ كَافِراً إِنَّهُ إِنَّمَا كَفَرَ مِنْ بَعْدِ أَنْ بَلَغَ وَقْتاً لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَجَحَدَهُ فَبِإِنْكَارِ الْحَقِّ صَارَ كَافِراً قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ عَلَى الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ يَأْمُرَهُ بِالْخَيْرِ وَ هُوَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخَيْرَ أَنْ يَعْمَلَهُ وَ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ قَالَ إِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ وَ رَأْفَتِهِ أَنْ يُقَدِّرَ عَلَى الْعَبْدِ الشَّرَّ وَ يُرِيدَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَأْمُرَهُ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهُ وَ الِانْتِزَاعَ‏ (2) عَمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلَى تَرْكِهِ أَمْرَهُ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهُ قَالَ فَبِمَا ذَا اسْتَحَقَّ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ وَ أَوْسَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ الْغِنَى وَ السَّعَةَ وَ بِمَا ذَا اسْتَحَقَّ الْفُقَرَاءُ التَّقْتِيرَ وَ الضِّيقَ قَالَ اخْتَبَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِمَا أَعْطَاهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ وَ الْفُقَرَاءَ إِنَّمَا مَنَعَهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُهُمْ‏ (3) وَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ عَجَّلَ لِقَوْمٍ فِي حَيَاتِهِمْ وَ لِقَوْمٍ آخَرَ لِيَوْمِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ عَلِمَ احْتِمَالَ كُلِّ قَوْمٍ فَأَعْطَاهُمْ عَلَى قَدْرِ احْتِمَالِهِمْ وَ لَوْ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ لَخَرِبَتِ الدُّنْيَا وَ فَسَدَ التَّدْبِيرُ وَ صَارَ أَهْلُهَا إِلَى الْفَنَاءِ وَ لَكِنْ جَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ عَوْناً وَ جَعَلَ أَسْبَابَ أَرْزَاقِهِمْ فِي ضُرُوبِ الْأَعْمَالِ وَ أَنْوَاعِ الصِّنَاعَاتِ وَ ذَلِكَ أَدْوَمُ فِي الْبَقَاءِ وَ أَصَحُّ فِي التَّدْبِيرِ ثُمَّ اخْتَبَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاسْتِعْطَافِ الْفُقَرَاءِ (4) كُلُّ ذَلِكَ لُطْفٌ وَ رَحْمَةٌ مِنَ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يُعَابُ تَدْبِيرُهُ قَالَ فَمَا اسْتَحَقَّ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ مَا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَمْرَاضِ بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ‏

____________
(1) أي كانوا في أصل خلقتهم و طبيعتهم الأولى منقادين لما يأمر و ينهى، حيث لم تكن نفوسهم متصفة لما يستدعى الخلاف و الطغيان، بل كانوا على فطرة اللّه التي فطر الناس عليها.
(2) في نسخة: و النزع. و في أخرى: الانزاع.
(3) في المصدر: و الفقراء بما منعهم لينظر كيف صبرهم.
(4) في المصدر: ثم اختبر الأغنياء بالاستعطاف على الفقراء.
التالي صفحة 171 من 461 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...