هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر جارية خصيفة (1)، لها جمال و وضاءة لتخدمه في السجن.
فقال: قل له: «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» (2) لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها. قال: فاستطار هارون غضبا، و قال: ارجع إليه و قل له: ليس برضاك حبسناك، و لا برضاك أخذناك؛ و اترك الجارية عنده و انصرف. قال: فمضى و رجع، ثمّ قام هارون عن مجلسه و أنفذ الخادم إليه ليتفحّص عن حالها، فرآها ساجدة لربّها لا ترفع رأسها تقول: «قدّوس سبحانك سبحانك».
فقال هارون: سحرها و اللّه موسى بن جعفر بسحره، عليّ بها.
فاتي بها و هي ترعد شاخصة نحو السماء بصرها، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني الشأن البديع، إنّي كنت عنده واقفة و هو قائم يصلّي ليله و نهاره، فلمّا انصرف عن صلاته بوجهه و هو يسبّح اللّه و يقدّسه، قلت: يا سيّدي هل حاجة أعطيكها؟ قال: و ما حاجتي إليك؟ قالت: إنّي أدخلت عليك لحوائجك. قال: فما بال هؤلاء؟
قالت: فالتفتّ فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أوّلها بنظري، و لا أوّلها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي و الديباج، و عليها و صفاء و وصايف لم أر مثل وجوههم حسنا، و لا مثل لباسهم لباسا، عليهم الحرير الأخضر، و الأكاليل و الدرّ و الياقوت، و في أيديهم الأباريق و المناديل و من كلّ الطعام، فخررت ساجدة حتّى أقامني هذا الخادم، فرأيت نفسي حيث كنت. قال: فقال هارون: يا خبيثة لعلّك سجدت فنمت فرأيت هذا في منامك؟
قالت: لا و اللّه يا سيّدي، إلا قبل سجودي رأيت، فسجدت من أجل ذلك.
فقال الرشيد: اقبض هذه الخبيثة إليك فلا يسمع هذا منها أحد.
(1)- التخصيف: سوء الخلق و الاجتهاد في التكلّف بما ليس عندك. قاله الفيروزآبادي في القاموس:3/ 134 (خصف)، و لعلها «حصيفة» بالهملة أي مستحكمة العقل، ذكية.
(2)- سورة النمل: 36.