بغضب من اللّه حجّة للّه على خلقه. قال: من أين قلت أنّه أسخى الناس؟ قال: لأنّه خازن المسلمين، فإن لم يكن سخيّا تاقت نفسه إلى أموالهم فأخذها، فكان خائنا، و لا يجوز أن يحتجّ اللّه على خلقه بخائن.
فعند ذلك قال ضرار: فمن هذا بهذه الصفة في هذا الوقت؟
فقال: صاحب القصر أمير المؤمنين. و كان هارون الرشيد قد سمع الكلام كلّه، فقال عند ذلك: أعطانا و اللّه من جراب النورة (1)، ويحك يا جعفر- و كان جعفر بن يحيى جالسا معه في الستر- من يعني بهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين يعني موسى بن جعفر. قال: ما عنى بها غير أهلها. ثمّ عضّ على شفتيه، و قال: مثل هذا حيّ و يبقى لي ملكي ساعة واحدة؟! فو اللّه للسان هذا أبلغ في قلوب الناس من مائة ألف سيف. و علم يحيى أنّ هشاما قد اتي (2) فدخل الستر، فقال: ويحك يا عبّاسي من هذا الرجل؟ فقال: يا أمير المؤمنين تكفى تكفى (3). ثمّ خرج إلى هشام فغمزه، فعلم هشام أنّه قد اتي، فقام يريهم أنّه يبول أو يقضي حاجة، فلبس نعليه و انسلّ، و مرّ ببنيه و أمرهم بالتواري، و هرب، و فرّ من فوره نحو الكوفة، و نزل على بشير النبّال، و كان من حملة الحديث من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فأخبره الخبر. ثمّ اعتلّ علة شديدة فقال له بشير: آتيك بطبيب؟ قال: لا، أنا ميّت.
فلمّا حضره الموت قال لبشير: إذا فرغت من جهازي فاحملني في جوف الليل،
(1)- مثل بين العرب و الأصل فيه: أنّه سأل محتاج أميرا قسيّ القلب شيئا، فعلّق على رأسه جرابا من النورة عند فمه و أنفه، و كلّما تنفّس دخل في أنفه شيء، فصار مثلا.