كنت مزاملا لجابر بن يزيد الجعفي، فلمّا أن كنّا في المدينة دخل على أبي جعفر (عليه السّلام) فودّعه، و خرج من عنده و هو مسرور حتى ورد الأخيرجة (1)- أوّل منزل تعدل من «فيد» (2) إلى المدينة- يوم جمعة، فصلّينا الزوال، فلمّا نهض بنا البعير إذا أنا برجل طوال أدم (3) معه كتاب فناوله جابرا، فتناوله و قبّله، و وضعه على عينيه، و إذا هو من محمّد بن عليّ (عليهما السّلام) إلى جابر بن يزيد، و عليه طين أسود رطب، فقال له:
متى عهدك بسيّدي؟ فقال: الساعة.
فقال له: قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟ فقال: بعد الصلاة. قال: ففكّ الخاتم، و أقبل يقرأه، و يقبض وجهه (4) حتى أتى على آخره، ثمّ أمسك الكتاب، فما رأيته ضاحكا و لا مسرورا حتّى وافى الكوفة.
فلمّا وافينا الكوفة ليلا بتّ ليلتي، فلمّا أصبحت أتيته إعظاما له، فوجدته قد خرج عليّ و في عنقه كعاب قد علّقها (5)، و قد ركب قصبة، و هو يقول:
أجد منصور بن جمهور (6) * * * أميرا غير مأمور
(1)- قال الأندلسي في معجم ما استعجم: 1/ 122: أخرجة- على وزن أفعلة-: اسم بئر بالبادية احترفت في أصل جبل أخرج، و هو الذي فيه لونان، فاشتقوا لها اسما مؤنثا من هذا اللفظ.و قال المجلسي في مرآة العقول: 4/ 296: و كذا في بعض النسخ [أي أخرجة] و في أكثرها الأخيرجة و كأنّها تصغيرها.
(2)- «فيد: منزل بطريق مكة، و المعنى أنّك إذا توجّهت من فيد إلى المدينة فهو أوّل منازلك؛ أو المعنى أن المسافة بينها و بين الكوفة كانت مثل ما بين فيد و المدينة.أقول: للاطلاع على المزيد راجع وفيات الأعيان لابن خلكان: 7/ 110.