من أجله بالطوفان جميع من على وجه الأرض و تحت السماء، إلّا من كان في السفينة و أهلك قوم هود بتكذيبهم له، و أهلك عادا بريح صرصر؛ و أنت و أبوك أعظم قدرا من هود، و عذّب ثمود، و هي اثنا عشر ألفا بعقر الناقة و الفصيل، فكوني يا سيّدة النساء رحمة على هذا الخلق المنكوس، و لا تكوني عذابا. و اشتدّ بها المخاض، و دخلت البيت فأسقطت سقطا سمّاه عليّ محسنا. و جمعت جمعا كثيرا لا مكاثرة لعليّ، و لكن ليشدّ بهم قلبي، و جئت و هو محاصر فاستخرجته من داره مكرها مغصوبا، و سقته إلى البيعة سوقا، و إنّي لأعلم علما يقينا لا شكّ فيه لو اجتهدت أنا و جميع من على الأرض جميعا على قهره ما قهرناه؛ و لكن لهنات كانت في نفسه أعلمها و لا أقولها.
فلمّا انتهيت إلى سقيفة بني ساعدة قام أبو بكر و من بحضرته يستهزءون بعليّ.
فقال عليّ: يا عمر، أ تحبّ أن اعجّل لك ما أخّرته- سوءا من سوأتك- عنك؟
فقلت: لا، يا أمير المؤمنين. فسمعني- و اللّه- خالد بن الوليد، فأسرع إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: ما لي و لعمر- ثلاثا- و الناس يسمعون. و لمّا دخل السقيفة صبا إليه أبو بكر، فقلت له: قد بايعت يا أبا الحسن! فانصرف، فأشهد: ما بايعه، و لا مدّ يده إليه، و كرهت أن اطالبه بالبيعة فيعجّل لي ما أخّره عنّي. و ودّ أبو بكر أنّه لم ير عليّا في ذلك المكان جزعا و خوفا منه. و رجع عليّ من السقيفة، و سألنا عنه، فقالوا: مضى إلى قبر محمّد، فجلس إليه، فقمت أنا و أبو بكر إليه، و جئنا نسعى، و أبو بكر يقول:
ويلك يا عمر، ما الّذي صنعت بفاطمة؟ هذا- و اللّه- الخسران المبين.
فقلت: إنّ أعظم ما عليك أنّه ما بايعنا، و لا أثق أن تتثاقل المسلمون عنه.
فقال: فما تصنع؟ فقلت: نظهر أنّه قد بايعك عند قبر محمّد.
فأتيناه و قد جعل القبر قبلة مسندا كفّه على تربته، و حوله سلمان و أبو ذرّ و المقداد و عمّار و حذيفة بن اليمان، فجلسنا بإزائه؛ و أوعزت إلى أبي بكر أن يضع يده على مثل ما وضع عليّ يده و يقربها من يده،