المؤمنين (عليه السلام) يجوز الخندق، و يصير إلى قرب قريش حيث يراهم، فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلي، فإذا أصبح رجع إلى مركزه، و مسجد أمير المؤمنين (عليه السلام) هناك معروف، يأتيه من يعرفه فيصلي فيه، و هو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة (1) النشاب.
فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح، و هو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله، و ناجاه فيما وعده، و كان مما دعاه أن قال: «يا صريخ المكروبين، و يا مجيب دعوة المضطرين، و يا كاشف الكرب العظيم، أنت مولاي و وليي و ولي آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا و همنا و كربنا، و اكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك، و حولك، و قدرتك». فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام)، فقال: «يا محمد، إن الله قد سمع مقالتك، و أجاب دعوتك، و أمر الدبور-و هي الريح-مع الملائكة أن تهزم قريشا و الأحزاب». و بعث الله على قريش الدبور، فانهزموا، و قلعت أخبيتهم، فنزل جبرئيل (عليه السلام)، فأخبره بذلك، فنادى رسول الله (صلى الله عليه و آله) حذيفة بن اليمان، و كان قريبا منه، فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه الثالثة، فقال:
لبيك يا رسول الله. قال: «أدعوك فلا تجيبني؟» قال: يا رسول الله-بأبي أنت و أمي-من الخوف، و البرد، و الجوع.
فقال: «ادخل في القوم، و ائتني بأخبارهم، و لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي، فإن الله قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش، و هزمهم». قال حذيفة: فمضيت و أنا انتفض من البرد، فو الله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام، فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبوا و توقد، و إذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار و هو ينتفض من شدة البرد، و يقول: يا معشر قريش، إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، و إن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا. فقال حذيفة:
فبادرت أنا، فقلت للذي عن يميني: من أنت؟فقال: أنا عمرو بن العاص. ثم قلت للذي عن يساري: من أنت؟قال:
أنا معاوية، و إنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد منهم من أنت. ثم ركب أبو سفيان راحلته و هي معقولة، و لولا أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي» لقدرت أن أقتله، ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان، لا بد من أن أقيم أنا و أنت على ضعفاء الناس. ثم قال لأصحابه: ارتحلوا، إنا مرتحلون، فنفروا (2) منهزمين، فلما أصبح رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قال لأصحابه: «لا تبرحوا». فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة، و بقي رسول الله (صلى الله عليه و آله) في نفر يسير. و كان أبو فرقد (3) الكناني رمى سعد بن معاذ (رحمه الله) بسهم في الخندق فقطع أكحله (4) فنزفه الدم، فقبض
____________