البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الثالث 3 · صفحة 157 من 931

[صفحة 157]

ذميال عبدي، المجتهد في عبادته، القانع باليسير من ظاهر (1) الدنيا، عشاء أمس، لما اعتر (2) ببابك عند أوان إفطاره، و هتف بكم: أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع. فلم تطعموه شيئا، فاسترجع و استعبر و شكا ما به إلي، و بات طاويا، حامدا لي، و أصبح لي صائما، و أنت-يا يعقوب-و ولدك شباع، و أصبحت و عندكم فضل من طعامكم.

أو ما علمت-يا يعقوب-أن العقوبة و البلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي؟و ذلك حسن النظر مني لأوليائي، و استدراج مني لأعدائي، أما و عزتي لأنزلن بك بلواي، و لأجعلنك و ولدك غرضا لمصابي، و لأؤدبنك بعقوبتي، فاستعدوا لبلواي، و ارضوا بقضائي، و اصبروا للمصائب».

فقلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): جعلت فداك، متى رأى يوسف الرؤيا؟فقال: «في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب و آل يعقوب شباعا، و بات فيها ذميال طاويا جائعا، فلما رأى يوسف الرؤيا و أصبح يقصها على أبيه يعقوب، فاغتم يعقوب لما سمع من يوسف و بقي مغتما، فأوحى الله عز و جل إليه: أن استعد للبلاء. فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فإني أخاف أن يكيدوا لك كيدا، فلم يكتم يوسف رؤياه و قصها على إخوته». قال: علي بن الحسين (عليه السلام): «و كانت أول بلوى نزلت بيعقوب و آل يعقوب الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا-قال-فاشتدت رقة يعقوب على يوسف، و خاف أن يكون ما أوحى الله عز و جل إليه من الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصة، فاشتدت رقته عليه من بين ولده، فلما رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف و تكرمته إياه و إيثاره إياه عليهم، اشتد ذلك عليهم و بدأ البلاء منهم‏ (3) فتآمروا فيما بينهم و قالوا: لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى‏ََ أَبِينََا مِنََّا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبََانََا لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ* `اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صََالِحِينَ أي تتوبون، فعند ذلك قالوا: يََا أَبََانََا مََا لَكَ لاََ تَأْمَنََّا عَلى‏ََ يُوسُفَ وَ إِنََّا لَهُ لَنََاصِحُونَ* `أَرْسِلْهُ مَعَنََا غَداً يَرْتَعْ الآية. فقال يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَ أَخََافُ أَنْ يَأْكُلَهُ اَلذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غََافِلُونَ فانتزعه حذرا عليه من أن تكون البلوى من الله عز و جل على يعقوب في يوسف خاصة لموقعه من قلبه و حبه له». قال: «فغلبت قدرة الله و قضاؤه و نافذ أمره في يعقوب و يوسف و إخوته، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه، و لا عن يوسف و ولده، فدفعه إليهم و هو لذلك كاره متوقع للبلوى من الله في يوسف، فلما خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعا فانتزعه من أيديهم و ضمه إليه و اعتنقه و بكى و دفعه إليهم، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم و لا يدفعه إليهم، فلما أمعنوا (4) به؛ أتوا به غيضة (5) أشجار، فقالوا: نذبحه و نلقيه تحت هذه الشجرة

____________
(1) في «س» : طاهر.
(2) في «ط» : عبر.
(3) في «ط» و المصدر: فيهم.
(4) أمعن: أبعد. «لسان العرب-معن-13: 409» .
(5) الغيضة: مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. «لسان العرب-غيض-7: 202» .
التالي صفحة 157 من 931 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...