ذلك يتجلى عنهم، حتى إذا أمنوا مكر الله، و أمنوا عذابه، و ظنوا أنهم قد استقروا، صيح فيهم صيحة لم يكن لهم فيها مناد يسمعهم و لا يجمعهم (1)، و ذلك قول الله عز و جل: حَتََّى إِذََا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهََا إلى قوله لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ألا إنه ليس أحد من الظلمة إلا و لهم بقيا، إلا آل فلان فإنهم لا بقيا لهم». قال: جعلت فداك، أ ليس لهم بقيا؟ قال: «بلى، و لكنهم يصيبون منا دما، فبظلمهم نحن و شيعتنا فلا بقيا لهم». و قد مضى حديث في معنى الآية بذلك في قوله تعالى: فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية، من سورة الأنعام (2).
99-4868/
_____________3 - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى؛ و علي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن عبد الله بن غالب الأسدي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يعظ الناس و يزهدهم في الدنيا، و يرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة، في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و حفظ عنه و كتب.
كان يقول: «أيها الناس-و ساق الحديث إلى أن قال فيه-فاتقوا الله عباد الله، و اعلموا أن الله عز و جل لم يحب زهرة الدنيا و عاجلها لأحد من أوليائه، و لم يرغبهم فيها و في عاجل زهرتها، و ظاهر بهجتها، و إنما خلق الدنيا و خلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته. و ايم الله، لقد ضرب لكم فيها الأمثال، و صرف الأيام لقوم يعقلون، و لا قوة إلا بالله، فازهدوا فيما زهدكم الله عز و جل فيه من عاجل الحياة الدنيا، فإن الله عز و جل يقول و قوله الحق: إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ مِمََّا يَأْكُلُ اَلنََّاسُ وَ اَلْأَنْعََامُ حَتََّى إِذََا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهََا وَ اِزَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهََا أَنَّهُمْ قََادِرُونَ عَلَيْهََا أَتََاهََا أَمْرُنََا لَيْلاً أَوْ نَهََاراً فَجَعَلْنََاهََا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذََلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون: و لا تركنوا إلى الدنيا، فإن الله عز و جل قال لمحمد (صلى الله عليه و آله): وَ لاََ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنََّارُ (3) و لا تركنوا إلى زهرة الدنيا و ما فيها، ركون من اتخذها دار قرار و منزل استيطان، فانها دار بلغة (4)، و منزل قلعة (5)، و دار عمل، فتزودوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها، و قبل الإذن من الله في خرابها، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة و ابتدأها، و هو ولي ميراثها، فأسأل الله العون
____________(_3) -الكافي 8: 75: 29.
(1) في «ط» : منال يسعهم و لا يجمعهم.