البرهان في تفسير القرآن

هاشم البحراني · البرهان في تفسير القرآن الجزء الاول 1 · صفحة 339 من 802

[صفحة 339]

أنه لا يصيبني، ليتبين لهؤلاء الضعفاء الذين قد اغتروا بك أن زواله عن ابني لم يكن بدعائه. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا يهودي، اتق الله، و تهنأ بعافية الله إياك، و لا تتعرض للبلاء و لما لا تطيقه، و قابل النعمة بالشكر، فإن من كفرها سلبها، و من شكرها امترى (1) مزيدها. فقال اليهودي: من شكر نعم الله تكذيب عدو الله المفتري عليه، و إنما أريد بهذا أن أعرف ولدي أنه ليس مما قلت له و أدعيته قليل و لا كثير، و أن الذي أصابه من خير لم يكن بدعاء علي صاحبك. فتبسم رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و قال: يا يهودي، هبك قلت أن عافية ابنك لم تكن بدعاء علي، و إنما صادف دعاؤه وقت مجيء عافيته، أ رأيت لو دعا عليك علي بهذا البلاء الذي اقترحته فأصابك، أتقول: إن ما أصابني لم يكن بدعائه، و لكن لأنه صادف دعاؤه وقت بلائي؟ فقال: لا أقول هذا، لأن هذا احتجاج مني على عدو الله في دين الله، و احتجاج منه علي، و الله أحكم من أن يجيب إلى مثل هذا؛ فيكون قد فتن عباده، و دعاهم إلى تصديق الكاذبين. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهذا في دعاء علي لابنك كهو في دعائه عليك، لا يفعل الله تعالى ما يلبس به على عباده دينه، و يصدق به الكاذب عليه. فتحير اليهودي لما أبطلت عليه (2) شبهته، و قال: يا محمد، ليفعل علي هذا بي إن كنت صادقا. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): يا أبا الحسن، قد أبى الكافر إلا عتوا و طغيانا و تمردا، فادع عليه بما اقترح، و قل: اللهم ابتله ببلاء ابنه من قبل. فقالها، فأصاب اليهودي داء ذلك الغلام، مثل ما كان فيه الغلام من الجذام و البرص، و استولى عليه الألم و البلاء، و جعل يصرخ و يستغيث، و يقول: يا محمد، قد عرفت صدقك فأقلني (3). فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لو علم الله تعالى صدقك لنجاك، و لكنه عالم بأنك لا تخرج عن هذا الحال إلا ازددت كفرا، و لو علم أنه إن نجاك آمنت به لجاد عليك بالنجاة، فإنه الجواد الكريم». ثم قال: «فبقي اليهودي في ذلك الداء و البرص أربعين سنة آية للناظرين، و عبرة للمعتبرين (4)، و علامة و حجة بينة لمحمد (صلى الله عليه و آله) باقية في الغابرين، و بقي ابنه كذلك معافى صحيح الأعضاء و الجوارح ثمانين سنة عبرة للمعتبرين، و ترغيبا للكافرين في الإيمان، و تزهيدا لهم في الكفر و العصيان. و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين حل ذلك البلاء باليهودي بعد زوال البلاء عن ابنه: عباد الله، إياكم و الكفر بنعم الله، فإنه مشؤوم على صاحبه، ألا و تقربوا إلى الله بالطاعات يجزل لكم المثوبات، و قصروا أعماركم في الدنيا

____________
(1) الريح تمري السّحاب: أي تستدرّه. «الصحاح-مرا-6: 2491» .
(2) في المصدر: لما أبطل (صلى اللّه عليه و آله)
(3) أقال اللّه فلانا عثرته: بمعنى الصفح عنه. «لسان العرب-قيل-11: 580» ، و في «ط» نسخة بدل: فاقبلني.
(4) في المصدر: للمتفكّرين.
التالي صفحة 339 من 802 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...