تفسير الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام

الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم الصلاة و السلام · تفسير الإمام الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام · صفحة 256 من 711

[صفحة 256]

من بعده وأنتم ظالمون). قال الإمام عليه السلام: كان موسى بن عمران عليه السلام يقول لبني إسرائيل: إذا فرج الله عنكم وأهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربكم، يشتمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله. فلما فرج الله تعالى عنهم، أمره الله عز وجل أن يأتي للميعاد، ويصوم ثلاثين يوما عند، أصل الجبل، وظن موسى أنه بعد ذلك يعطيه الكتاب. فصام موسى ثلاثين يوما [عند أصل الجبل] فلما كان في آخر الأيام (1) استاك (2)

1 ) " آخر اليوم " البحار .

أقول: لم يقل " أواخر " ولا " آخر جميع " الأيام، ولا " فصام ثلاثين يوما في آخر الأيام ". وعلى الجملة فلا دلالة على أنه استاك غير اليوم الأخير، ولا على أن السواك أفطر صيامه. وأما أنه قال: " يصوم عشرا اخر " لا يوما واحدا، ولا ثلاثين يوما، فليس لنا في حكم الله أن نقول: لماذا يصوم عشرا اخر كما يكون في كفارة الافطار في رمضان أو قضائه ستين يوما، أو دونه، فراجع وتدبر.

2 ) لا ريب أن موسى عليه السلام وجد اثر صيامه خلوفا في فمه ، وزعم أن الخلوف غير

طيب، وينافى مناجاة الله تعالى، فقال: " اجلك عن المناجاة لخلوف الصائم " فاشتغل بالاستياك عن مناجاته اجلالا له عز وجل. ويظهر من قوله تعالى " أما علمت " أن موسى عليه السلام وقت ذاك لم يتذكر أن خصوص هذا الخلوف - اثر الصيام - عند الله أطيب. قال الصادق عليه السلام: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال: يا رب اجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم. فأوحى إليه: لخلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. انظر: الكافي: 4 / 64 ح 13، ومن لا يحضره الفقيه: 2 / 76 ح 1779، وفضائل الأشهر الثلاثة: 121 ح 122. بقي الكلام في أن الرواية تنافى ما اتفق على أن السواك ممدوح، وأن الصائم يستاك ولا بأس به.. أقول: بيان ذلك أنه روى أن السواك والطيب من سنن المرسلين، وأنه مطهرة للفم مرضاة للرب، ومفرحة للملائكة وأن المصلى ما دام يكون في الصلاة فهو واقف بين يدي الله تعالى يناجيه. وأنه كان نبينا صلى الله عليه وآله يستاك لكل صلاة، وقال: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك. مع أن السواك سنة للوضوء، ولكل صلاة، وعند قراءة القرآن، كما قال صلى الله عليه وآله: " نظفوا طريق القرآن. قيل: يا رسول الله وما طريق القرآن؟ قال: أفواهكم. قيل: بماذا؟ قال: بالسواك ". وبالجملة: لا ريب اذن في فضل الاستياك، وأنه تطيب، ولا يتطيب ريح المستاك بمثل ريح المسك. ولكن في هذه الرواية - مؤيدة برواية الكليني في الكافي المتقدم ذكرها نكتة مهمة في خطاب موسى عليه السلام: " أما علمت أن خلوف فم الصائم - بما هو صائم - أطيب عند الله - في مناجاته لا عند الناس - من ريح المسك ". ففي هذا تصريح بأن لهذا الخلوف فضلا واختصاصا لا يناله فضل التطيب بالاستياك والمسك. كيف لا وخلوف فم الصائم اثر اصطباره لعبادة ربه وشعاره فيما أمسك وأجهد بنفسه مخلصا. الا ترى في قوله تعالى: " سيماهم في وجوهم من أثر السجود " الفتح: 29 دلالة واضحة على مطلوبية أثر السجود، وصفرة الوجه من أثر قيام الليل واحيائه بالعبادة، وأما سمعت فضل زيارة الحسين عليه السلام للمسافر القادم وهو شعث أغبر على من زاره متطيبا. فالحاصل أنه لا منافاة بينهما ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. واما قوله: " هل يستاك الصائم؟ قال لا بأس به " فان ظاهر سؤال السائل أنه لا يحتمل وجوبه بل منعه، فيريد هل يفطر الصائم أم لا؟ فالجواب " أنه لا بأس به " فتدبر واغتنم.

التالي صفحة 256 من 711 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...