بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والثمانون 88 · صفحة 12 من 395

[صفحة 12]

سنائه و ملكه‏ - 14- و عن النبي ص الطاء طور سينا و السين الإسكندرية و الميم مكة. و قيل الطاء شجرة طوبى و السين سدرة المنتهى و الميم محمد المصطفى و أما ن فقيل هو الحوت الذي تحت الأرض و قيل هو الدواب و قيل هو نهر في الجنة قال الله تعالى له كن مدادا فجمد و كان أشد بياضا من اللبن و أحلى من الشهد فقال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة روي ذلك عن الباقر ع. ثم قال‏ (1) هذا الكلام يدل على أن‏ ن‏ و ق‏ و ص و يس‏ و طه‏ من أسماء النبي ص فأما ق‏ و ص فلم أر في التفاسير ما يدل على ذلك و أما يس‏ فذكر الطبرسي في تفسيره أن معناه يا إنسان عن أكثر المفسرين و قيل يا رجل و قيل يا محمد و قيل معناه يا سيد الأولين و الآخرين و عن الصادق(ع)هو اسم النبي ص و أما طه‏ فهو يا رجل بلغة عكة قال الشاعر إن السفاهة طه من خلائقكم‏* * *. لا بارك الله في القوم الملاعين‏ قال الحسن هو جواب للمشركين حين قالوا إنه شقي فقال سبحانه يا رجل‏ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ لكن لتسعد به و لتنال الكرامة في الدارين قيل و كان يصلي الليل كله‏ (2) و يعلق صدره بحبل لا يغلبه النوم فأمره سبحانه بالتخفيف على‏

____________
(1) راجع مصباح الكفعميّ ص 652، بتقديم و تأخير.
(2) ذكر ذلك مجاهد على ما نقله السيوطي في الدّر المنثور ج 4 ص 288 و كان ينسبه الى الصحابة أيضا كما في ص 289 و لكنه كذب و زور، كيف و قد قال عزّ و جلّ في سورة المزّمّل و هي ثالثة السور النازلة على الرسول ص : «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» فأوجب عليه أن ينام شيئا من الليل نصفه أو ثلثه أو ثلثيه، على ما عرفت شرح ذلك في ج 87 ص 119، و لذلك حكى اللّه عزّ و جلّ سيرته و سنته ص في آخر السورة و قال: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» فنص على أنه ص و هكذا أصحابه كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، امتثالا لما ندبهم اللّه عزّ و جلّ الى أنّه جعل الليل لباسا و النوم فيه سباتا و جعل النهار معاشا.

فما أخرجه السيوطي في دره عن ابن مردويه عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: لما نزل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)‏ «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا» قام الليل كله حتّى تورمت قدماه فجعل يرفع رجلا و يضع رجلا فنزل عليه‏ «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏» فمما يسقط و يتهافت صدره بذيله، فان آية المزّمّل تأمره بنوم الليل و القيام من نصفه أو آخره، فكيف خالف و قام الليل كله، و كيف يصحّ الصلاة مع القيام على رجل واحدة، و القيام كذلك موجب لفوات القرار و سبب للتحريك الدائم بالنسبة الى القائم بالرجل السالمة، كيف و بالرجل المتورمة مع أن القيام على رجل واحدة- اذا كانتا متورمتين- أصعب و أوجع. و هكذا ما قالوه في تعليق الحبل بالصدر، باطل مموه. فان القيام كذلك ينافى الاستقلال و بعد غلبة النوم و النعاس تبطل الصلاة رأسا و انما تناسب العباد المتصنعين من المتصوفة.

فما روى من ذلك و أشباهها كلها آراء الصحابة و التابعين على ما نقله السيوطي في دره، و كلها خلاف الحق، و خلاف ظاهر الآية الكريمة، بل الحق أن السورة الكريمة بتمامها نزلت تسلية من اللّه عزّ و جلّ و تطييبا منه لقلب رسوله الكريم حيث قام فيهم بأعباء الدعوة سنين، و قاسى أنواع الشدائد و المحن في ذلك و لم يؤمن به مع ذلك الا قليل من قليل. حتى أن قريشا عيرته بأنّه شقى مفلوك منذ نزل عليه القرآن بزعمه موهون عند ربّه حيث أنزل عليه ما قد شقى به و ذل و هان في قومه بعد ما كان عزيزا من دون أن يوفق و يأتي بخير و من هو انه و شقائه على ربّه أنّه كلما آذيناه و عيرناه و أذللناه لا يعترينا ربّه بسوء و كلما قلنا: فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين، لا يجترئ على ربّه أن يسأل ذلك، و لعله سأله فلم يجبه.

فأنزل عليه عزّ و جلّ سورة طه جملا و في صدرها هذه التسلية و التطيب بأنّه: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏، يعنى أنك لا تشقى بالقرآن و دعوته بل تسعد و تعلو دعوتك على كل دعوة، و انما قل المؤمنون بك و التابعون لدعوتك، لان القرآن‏ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى‏، و من يتذكر و يخشى من المجتمع قليل من قليل و إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ باللّه و هم الاقلون عددا. ثمّ قص عليه قصة موسى بطولها و خصوصا ما قاساه من الشدائد و المحن قبل البعثة و بعدها و ذكره بأنّه أيضا لم ينجح دعوته الا بعد سنين متطاولة و مقاساة المحن الكثيرة الوافرة من فرعونه و ملائه، بل و من قومه بني إسرائيل قبل انجائهم و بعده من التضارب في الآراء ثمّ من فتنة السامرى و عجله. ثمّ ذكره ص بقصة آدم و خروجه من الجنة حيث وعد للانس و الجن على نفسه بتمتعهم في الحياة الدنيا اختبارا حيث قال: اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏* وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» الآيات 123 و 124 من السورة. ثمّ انزل عليه بعد هذه التقدمة و التوطئة، أن اللّه عزّ و جلّ انما لا يعتريهم بسوء و لا ينزل بهم العذاب حسب استعجالهم و لا يأتيهم بالآيات طبقا لاقتراحهم، لما سبق منه الوعد بتمتعهم حتى حين، وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ‏ وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏ قدر لهم‏ لَكانَ لِزاماً فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى‏.

التالي صفحة 12 من 395 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...