يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ».
فالآيات الشريفة بنفسها تنص على أن الجن كانوا يعملون التماثيل في بناء البيت المقدس، و لا معنى لاستعمالها في البيت الا كما ذكرناه، و هو المعهود من بناء السلاطين بعده، و الروايات الواردة في ذلك، تؤيد هذا المعنى أيضا. و أمّا أنّه كيف جاز عمل الصور؟
فالمسلم من الآيات الشريفة التي تبحث عن ذلك، أن التماثيل إذا نصبت للعبادة و عكف الناس على عبادتها و خلقوا لذلك افكا، فهى صنم و وثن، كما عرفت في قوله تعالى «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» و قوله بعده «تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ* فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً» فاذا كانت التماثيل منصوبة للعبادة، يجب كسرها متابعة لإبراهيم خليل اللّه و ان كانت أعيانها مملوكة للغير، منصوبة في بيت لهم، و انما يذكره اللّه عزّ و جلّ و يطرى على فعله ذلك لانه مرضى للّه عزّ و جلّ مطلوب له من العباد، فإذا وجب كسرها- و ان كانت اعيانها مملوكة للغير- فالمنع من نحتها و عملها أيضا واجب ضرورى. و ما روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه كان يأمر سراياه بأن يكسروا التماثيل و يمحو نقوشها من المعابد، وجهه أن التماثيل الموجودة عند العرب لم تكن منصوبة الا للعبادة، فكان الواجب كسرها لمن ظفر عليها. و أمّا نحتها و تصويرها لا للعبادة، كما فعل ذلك سليمان بن داود (عليه السلام) فجعلها في خدمة بيت اللّه المقدس، و معرض الهوان و الذل و العبودية للّه عزّ و جلّ بعد ما كانت تعمل عند الوثنيين للعبادة و يألهون إليها في حوائجهم، فقد كان أمرا مستحسنا مرضيا للّه عزّ و جلّ و الا لم يقبله اللّه عزّ و جلّ شكرا لما أنعم عليه من الملك، و لم يأمر به في قوله: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً» و لم يمدحه بقوله: «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» فمن فعل كما فعل إبراهيم الخليل بالتماثيل المنصوبة للعبادة، ففعله ممدوح:.