و فرقة يستخرجون الذهب و اليواقيت من معادنها، و فرقة يقلعون الجواهر و الاحجار من أماكنها، و فرقة يأتون بالدرر من البحار، ثمّ أمرهم بنحت الاحجار أساطين و ألواحا و معالجة تلك الجواهر و اللآلي بأقدار هندسية كالمثمن و المسدس و غير ذلك، و بنى المسجد الأعظم بألوان الرخام و عمده بأساطين المها و سقفه بألواح الجواهر، و فضض سقوفه و حيطانه باللآلي و اليواقيت و الدرر. و ممّا عملت الشياطين في تلك الابنية المحاريب و هي جمع المحراب بمعنى الغرفة العالية كالقصر، و لا يسمى الغرفة محرابا الا إذا كان في الطبقة العالية: الثانية أو الثالثة و أكثر، اذا قدروا عليه، فالمراد بالمحاريب الغرف فوق الغرف، و منه يظهر أن البيت المقدس و هو نفس المسجد، كان ذا طبقات عالية بعضها فوق بعض و لم تكن العامّة تقدر على ذلك؛ و لا شاهدوه. و ممّا عملت الشياطين في تلك الابنية نحت الرخام و سائر الاحجار الكريمة بصورة الحيوانات ذوات الأرواح و تمثيلها بصورة مهيبة، و استعمالها في قواعد البيت، كأن ترى أسطوانة على صورة إنسان عجيب الخلقة، واضعا قدميه على ظهر أسد معمولة من الرخام كأنّه قاعدة البيت، و رافعا على رأسه قاعدة من قواعد الغرف العالية، و هكذا. و ممّا عملت الشياطين في حوائج ذلك البيت المقدس نحت الجفان و هي من عظمتها كالجواب و قدور كبيرة لا يقدر على حملها أحد، راسيات، فقال عزّ و جلّ حينذاك «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ» في بناء البيت و تمامه و أنجزوا ما جعلتم على أنفسكم «شُكْراً» لما وهبتكم من الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعدكم، فقد أوزعتكم و أمهلتكم لبناء هذا البيت كما سألتموني، «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ».
«فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ» و لم يتم بعد تزيين البيت، قبضناه متكئا على منسأته قائما كانه حىّ ينظر الى عملة الشياطين و الجن، و لما تمّ البناء و التزيين، و حقّ القول في ايزاعه و امهاله «ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا.