بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السادس والسبعون 76 · صفحة 207 من 330

[صفحة 207]
____________

و قوله‏ «وَ ما أُنْزِلَ» عطف على قوله‏ «ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ» و المعنى أن بني إسرائيل لخبثهم و حرصهم على المال و الجاه اغتنموا الفرصة و اتبعوا ما أنزل على الملكين من السحر كما اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان فضموا سحر الشياطين مع سحر الملكين و سحروا على الناس، و أخذوا بذلك أموالهم و فعلوا و فعلوا و ليس ما فعلوا الا الكفر بآيات اللّه و كتبه، و لقد علموا من دينهم و مذهبهم أنّه لمن اشترى و طلب السحر، ما له في الآخرة من خلاق، و لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون.

فيعرف من جملة ذلك أن عرفان السحر و تعلمه و تعليمه لعامة الناس احقاقا للحق و ابطالا لما يدعونه السحرة من الاعجاز و القدرة السماوى و السيطرة الإلهي، لا بأس به، بل هو مما أنزل اللّه لتحقيقه ملكين، فمن فعل ذلك، فقد شرك الملكين في نيتهما و عملهما و له مثوبة ذلك، و أمّا تعاطى السحر لغير ذلك من الاغراض فهو الكفر باللّه العظيم، و الشراء و الاشتراء هو ما نسميه الآن في عرفنا «بالعرض و التقاضى» فالشراء أن يعرض صاحب المتاع متاعه للبيع، و الاشتراء أن يطلب المتاع و يتقاضاه من له الحاجة الى ذلك المتاع، فإذا باعه ذاك الشارى و ابتاعه هذا المشترى فقدتم. و لذلك يقول: «لَمَنِ اشْتَراهُ» أى من طلب السحر متاعا ليصرفه في حاجة نفسه فيفرق مثلا بين عدوه و زوجته، أو ليصرفه لحاجة غيره فيبيعه منه بثمن‏ «ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» أى من نصيب. و لذلك نفسه يقول: «وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ» أى أنهم بفعلهم السحر قد عرضوا أنفسهم للبيع بثمن قليل و قد كانت غالبا ثمنها الجنة، لكنهم لا يعلمون‏ «وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا» أى لم يكفروا أي لم يسحروا بل لم يشتروا السحر «وَ اتَّقَوْا» من اللّه و عذابه‏ «لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» تنالهم في حلهم السحر و تكذيب السحرة اقتداء بما فعل الملكان النازلان‏ «خَيْرٌ» لهم‏ «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ». و قوله: «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» اشارة الى أن فعل السحر انما هو تأثير سبب خفى على عامة الناس ظاهر سببيته على الخاصّة، فمن توصل بالسبب الخفى على مسببه، ليس قد ظهر على سر الخلقة بذاته و لا هو ممن أظهره اللّه على ذلك كما أظهر على ذلك سليمان، بل اللّه عزّ و جلّ كما أذن اذنا تكوينيا في تأثير الأسباب الظاهرة أذن في تأثير الأسباب الخفية، و من توصل بأحد من الأسباب- الظاهرة أو الخفية- فقد أخذ باذن اللّه عزّ و جلّ. و فعل السحر- أعنى التوصل بالأسباب الخفية على مسبباتها- و ان كانت مبغوضا للّه عزّ و جلّ تشريعا إذا كانت بداعى السيطرة و الجاه و أخذ الأموال و الافساد في الأرض لكنه مأذون بالاذن التكوينى ابتلاء و اختيارا للناس، هو الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا. و قوله‏ «وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ» عطف على قوله‏ «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ» و المعنى أن ما كانوا يتعلمونه من السحر كانت على قسمين قسم منها ما كان يضر بالغير فيفرقون به بين المرء و زوجه، و قسم منها ما يضر بأنفسهم و لا ينفعهم.

التالي صفحة 207 من 330 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...