و من أجل ذلك نفسه كثر استعمال التلاوة في قراءة القرآن و سائر الكتب المنزلة من عند اللّه عزّ و جلّ، و لذلك أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في مواضع من القرآن العزيز أن يتلوه على الناس من دون أن يأمره بالقراءة عليهم، حتى في آية واحدة اللّهمّ الا في قوله تعالى «لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ» و فيه مفهوم التلاوة. و المراد بالشياطين شياطين الانس، سموا شيطانا لكفرهم باللّه و آياته و افترائهم على ملك سليمان بأنّه كان بالسحر، ثمّ ادعاؤهم افتراء على اللّه أن السحر نازل من السماء الى سليمان، فهو جائز تعليمه و تعلمه، ثمّ قراءتهم صحف السحر و الاباطيل بصورة التلاوة كما يتلى كتب اللّه المنزلة تمويها على العوام، مع ما كانوا يؤذون الناس بسحرهم و يفرقون به بين المرء و زوجه. و في قوله تعالى: «وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» نزل السحر منزلة الكفر، و بين وجه كفر الشياطين بأنهم «يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» فقوله هذا بمنزلة أن يقال: «و ما سحر سليمان مدى ملكه و حشمته و لكن الشياطين سحروا» و قيل في قوله تعالى: «وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ» الخ أن «ما» نافية، و الظاهر أنها موصولة، يشير الى أن اللّه عزّ و جلّ أنزل ملكين ببابل- و كان عاصمة السحرة يومئذ فتصورا و تمثلا بصورة رجلين و تسميا باسم هاروت و ماروت، و أظهرا علم السحر و أسراره لعامة الناس حتّى يعرفوا أن شياطين السحرة كاذبون في دعواهم بأن السحر علم سماوى نزل على سليمان لتشييد ملكه و سلطانه، و يتبين لهم أن السحر ليس الا مخرقة و تمويه أباطيل لا حقيقة لها بصورة خارقة للعادة. و هذان الملكان- هاروت و ماروت- حيثما علما أحدا من الناس السحر و أظهروه على حقيقته كانا يقولان «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ» أى بوتقة خلاص و امتحان انما نعلمك السحر ليخلص الحق من مزاج الباطل، و يعرف السحر من معجزة الحق، و يظهر الساحر الكاذب الكافر من النبيّ الصادق المؤمن للحق، «فَلا تَكْفُرْ» أنت بعد تعلم أسرار السحر أي لا تسحر و لا تعمل السحر.
فكان الناس يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء و زوجه لما كانت الشياطين تفعل ذلك كثيرا بأهالى بابل، و يأخذون على ذلك الاجر تارة من هذا للتفريق بين زوجين معينين و تارة منهما أو من أحدهما لحل ذلك و التأليف بينهما، فبعد ما ظهرت العامّة بأسرار السحر- خصوصا ما كان شايعا فيهم من التفريق بين المرء و زوجه- سقط الساحرون من شوكتهم و قدرتهم، و بلغ أمر اللّه و كان امر اللّه قدرا مقدورا.
.