فَهَذِهِ الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا لَا شَيْءَ- فَهَذَا نَسَبُهَا وَ حَسَبُهَا وَ مَسِيرُهَا إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ- قَدْ رَفَضْتُهَا لِمَا عَرَفْتُهَا- وَ أَبْصَرْتُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ- فَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ أَصِفَ لَكَ- مَا أَعْرِفُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الشَّيْءُ فَاسْتَعِدَّ إِلَى السَّمَاعِ- تَسْمَعُ غَيْرَ مَا كُنْتَ تَسْمَعُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ- فَلَمْ يَزِدْهُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ قَالَ لَهُ- كَذَبْتَ لَمْ تُصِبْ شَيْئاً وَ لَمْ تَظْفَرْ إِلَّا بِالشَّقاءِ وَ الْعَنَاءِ- فَاخْرُجْ وَ لَا تُقِيمَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَمْلَكَتِي- فَإِنَّكَ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ- وَ وُلِدَ لِلْمَلِكِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بَعْدَ إِيَاسِهِ مِنَ الذُّكُورِ غُلَامٌ- لَمْ يَرَ النَّاسُ مَوْلُوداً مِثْلَهُ قَطُّ حُسْناً وَ جَمَالًا وَ ضِيَاءً- فَبَلَغَ السُّرُورُ مِنَ الْمَلِكِ مَبْلَغاً عَظِيماً- كَادَ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ مِنَ الْفَرَحِ- وَ زَعَمَ أَنَّ الْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا هِيَ- الَّتِي وَهَبَتْ لَهُ الْغُلَامَ- فَقَسَمَ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي بُيُوتِ أَمْوَالِهِ عَلَى بُيُوتِ أَوْثَانِهِ- وَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْأَكْلِ وَ الشُّرْبِ سَنَةً وَ سَمَّى الْغُلَامَ يُوذَاسُفَ- وَ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ وَ الْمُنَجِّمِينَ لِتَقْوِيمِ مِيلَادِهِ- فَرَفَعَ الْمُنَجِّمُونَ إِلَيْهِ- أَنَّهُمْ يَجِدُونَ الْغُلَامَ يَبْلُغُ مِنَ الشَّرَفِ- وَ الْمَنْزِلَةِ مَا لَا يَبْلُغُهُ أَحَدٌ قَطُّ فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعاً غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ- مَا أَظُنُّ الشَّرَفَ وَ الْمَنْزِلَةَ وَ الْفَضْلَ- الَّذِي وَجَدْنَاهُ يَبْلُغُهُ هَذَا الْغُلَامُ إِلَّا شَرَفَ الْآخِرَةِ- وَ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَاماً فِي الدِّينِ وَ النُّسُكِ- وَ ذَا فَضِيلَةٍ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ لِأَنِّي أَرَى الشَّرَفَ- الَّذِي تَبْلُغُهُ لَيْسَ يُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا- وَ هُوَ شَبِيهٌ بِشَرَفِ الْآخِرَةِ- فَوَقَعَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الْمَلِكِ مَوْقِعاً- كَادَ أَنْ يُنَغِّصَهُ سُرُورَهُ بِالْغُلَامِ- وَ كَانَ الْمُنَجِّمُ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ- مِنْ أَوْثَقِ الْمُنَجِّمِينَ فِي نَفْسِهِ وَ أَعْلَمِهِمْ وَ أَصْدَقِهِمْ عِنْدَهُ- وَ أَمَرَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ بِمَدِينَةٍ فَأَخْلَاهَا- وَ تَخَيَّرَ لَهُ مِنَ الظُّؤْرَةِ (1) وَ الْخَدَمِ كُلَّ ثِقَةٍ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُذْكَرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَوْتٌ- وَ لَا آخِرَةٌ وَ لَا حُزْنٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا فَنَاءٌ- حَتَّى تَعْتَادَ ذَلِكَ أَلْسِنَتُهُمْ وَ تَنْسَاهُ قُلُوبُهُمْ- وَ أَمَرَهُمْ إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ أَنْ لَا يَنْطِقُوا عِنْدَهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ- مِمَّا يَتَخَوَّفُونَهُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ- فَيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى اهْتِمَامِهِ
____________