بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثامن والخمسون 58 · صفحة 325 من 337

[صفحة 325]

كَالسَّنَدِ لِلشَّفَتَيْنِ تُمْسِكُهُمَا وَ تَدْعَمُهُمَا مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّكَ تَرَى مَنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ مُسْتَرْخِيَ الشَّفَةِ وَ مُضْطَرِبَهَا وَ بِالشَّفَتَيْنِ يُتَرَشَّفُ الشَّرَابُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي يَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ مِنْهُ بِقَصْدٍ وَ قَدَرٍ لَا يَثُجُ‏ (1) ثَجّاً فَيَغَصَّ بِهِ الشَّارِبُ أَوْ يَنْكَأَ فِي الْجَوْفِ ثُمَّ هُمَا بَعْدَ ذَلِكَ كَالْبَابِ الْمُطْبَقِ عَلَى الْفَمِ يَفْتَحُهُمَا الْإِنْسَانُ إِذَا شَاءَ وَ يُطْبِقُهُمَا إِذَا شَاءَ فَفِي مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذَا بَيَانُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ يَتَصَرَّفُ وَ يَنْقَسِمُ إِلَى وُجُوهٍ مِنَ الْمَنَافِعِ كَمَا تَتَصَرَّفُ الْأَدَاةُ الْوَاحِدَةُ فِي أَعْمَالٍ شَتَّى وَ ذَلِكَ كَالْفَأْسِ يُسْتَعْمَلُ فِي النِّجَارَةِ وَ الْحَفْرِ وَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ لَوْ رَأَيْتَ الدِّمَاغَ إِذَا كُشِفَ عَنْهُ لَرَأَيْتَهُ قَدْ لُفَّ بِحُجُبٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لِتَصُونَهُ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَ تُمْسِكَهُ فَلَا يَضْطَرِبَ وَ لَرَأَيْتَ عَلَيْهِ الْجُمْجُمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ كَيْمَا يَفُتَّهُ هَدُّ الصَّدْمَةِ (2) وَ الصَّكَّةِ (3) الَّتِي رُبَّمَا وَقَعَتْ فِي الرَّأْسِ ثُمَّ قَدْ جُلِّلَتِ الْجُمْجُمَةُ بِالشَّعْرِ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْوِ لِلرَّأْسِ تَسْتُرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ فَمَنْ حَصَّنَ الدِّمَاغَ هَذَا التَّحْصِينَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهُ وَ جَعَلَهُ يَنْبُوعَ الْحِسِّ وَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحِيطَةِ وَ الصِّيَانَةِ لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْبَدَنِ وَ ارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ وَ خَطَرِ مَرْتَبَتِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ الْجَفْنُ عَلَى الْعَيْنِ كَيْفَ جُعِلَ كَالْغِشَاءِ وَ الْأَشْفَارُ كَالْأَشْرَاجِ وَ أَوْلَجَهَا فِي هَذَا الْغَارِ وَ أَظَلَّهَا بِالْحِجَابِ وَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّعْرِ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ مَنْ غَيَّبَ الْفُؤَادَ فِي جَوْفِ الصَّدْرِ وَ كَسَاهُ الْمِدْرَعَةَ الَّتِي هِيَ غِشَاؤُهُ وَ حَصَّنَهُ بِالْجَوَانِحِ وَ مَا عَلَيْهَا مِنَ اللَّحْمِ وَ الْعَصَبِ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِ مَا يَنْكَؤُهُ مَنْ جَعَلَ فِي الْحَلْقِ مَنْفَذَيْنِ أَحَدُهُمَا لِمَخْرَجِ الصَّوْتِ وَ هُوَ الْحُلْقُومُ الْمُتَّصِلُ بِالرِّئَةِ وَ الْآخَرُ مَنْفَذٌ لِلْغِذَاءِ وَ هُوَ الْمَرِي‏ءُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَعِدَةِ الْمُوصِلُ الْغِذَاءَ إِلَيْهَا وَ جَعَلَ عَلَى الْحُلْقُومِ طَبَقاً يَمْنَعُ الطَّعَامَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الرِّئَةِ فَيَقْتُلَ مَنْ جَعَلَ الرِّئَةَ مِرْوَحَةَ الْفُؤَادِ لَا تَفْتُرُ وَ لَا تُخِلُّ لِكَيْلَا

____________
(1) ثج الماء: سال.
(2) حد (خ)-.
(3) الصكة: الضربة الشديدة، و اللطمة.
التالي صفحة 325 من 337 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...