بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء السابع والخمسون 57 · صفحة 380 من 397

[صفحة 380]

إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ الْأَوْلَادُ لَا يَأْلَفُونَ آبَاءَهُمْ وَ لَا يَأْلَفُ الْآبَاءُ أَبْنَاءَهُمْ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ كَانُوا يَسْتَغْنُونَ عَنْ تَرْبِيَةِ الْآبَاءِ وَ حِيَاطَتِهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُمْ حِينَ يُولَدُونَ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَ أُمَّهُ وَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّهِ وَ أُخْتِهِ وَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُنَّ وَ أَقَلُّ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَبَاحَةِ بَلْ هُوَ أَشْنَعُ وَ أَعْظَمُ وَ أَفْظَعُ وَ أَقْبَحُ وَ أَبْشَعُ لَوْ خَرَجَ الْمَوْلُودُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَ هُوَ يَعْقِلُ أَنْ يَرَى مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ لَا يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَرَاهُ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ أُقِيمَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْخِلْقَةِ عَلَى غَايَةِ الصَّوَابِ وَ خَلَا مِنَ الْخَطَاءِ دَقِيقُةُ وَ جَلِيلُهُ اعْرِفْ يَا مُفَضَّلُ مَا لِلْأَطْفَالِ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي أَدْمِغَةِ الْأَطْفَالِ رُطُوبَةً إِنْ بَقِيَتْ فِيهَا أَحْدَثَتْ عَلَيْهِمْ أَحْدَاثاً جَلِيلَةً وَ عِلَلًا عَظِيمَةً مِنْ ذَهَابِ الْبَصَرِ وَ غَيْرِهِ فَالْبُكَاءُ يُسِيلُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ مِنْ رُءُوسِهِمْ فَيُعْقِبُهُمْ ذَلِكَ الصِّحَّةَ فِي أَبْدَانِهِمْ وَ السَّلَامَةَ فِي أَبْصَارِهِمْ أَ فَلَيْسَ قَدْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ يَنْتَفِعُ بِالْبُكَاءِ وَ وَالِدَاهُ لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ فَهُمَا دَائِبَانِ لِيُسْكِتَانِهِ وَ يَتَوَخَّيَانِ فِي الْأُمُورِ مَرْضَاتَهُ لِئَلَّا يَبْكِيَ وَ هُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ الْبُكَاءَ أَصْلَحُ لَهُ وَ أَجْمَلُ عَاقِبَةً فَهَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَنَافِعُ لَا يَعْرِفُهَا الْقَائِلُونَ بِالْإِهْمَالِ وَ لَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْضُوا عَلَى الشَّيْ‏ءِ أَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ لَا يَعْلَمُونَ السَّبَبَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْمُنْكِرُونَ يَعْلَمُهُ الْعَارِفُونَ وَ كَثِيراً مَا يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَخْلُوقِينَ مُحِيطٌ بِهِ عِلْمُ الْخَالِقِ جَلَّ قُدْسُهُ وَ عَلَتْ كَلِمَتُهُ فَأَمَّا مَا يَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِ الْأَطْفَالِ مِنَ الرِّيقِ فَفِي ذَلِكَ خُرُوجُ الرُّطُوبَةِ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِي أَبْدَانِهِمْ لَأَحْدَثَتْ عَلَيْهِمُ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ كَمَنْ تَرَاهُ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ فَأَخْرَجَتْهُ إِلَى حَدِّ الْبَلَهِ وَ الْجُنُونِ وَ التَّخْلِيطِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُتْلِفَةِ كَالْفَالِجِ وَ اللَّقْوَةِ وَ مَا أَشْبَهَهُمَا فَجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ تَسِيلُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فِي صِغَرِهِمْ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصِّحَّةِ فِي كِبَرِهِمْ فَتَفَضَّلَ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا جَهِلُوهُ وَ نَظَرَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ وَ لَوْ عَرَفُوا نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ لَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ عَنِ التَّمَادِي فِي مَعْصِيَتِهِ فَسُبْحَانَهُ مَا أَجَلَّ نِعْمَتَهُ وَ أَسْبَغَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِهِ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ عُلُوّاً كَبِيراً.

أقول: قد مر شرحه و تمامه في كتاب التوحيد.

التالي صفحة 380 من 397 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...