فَسَارَ بُسْرٌ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، وَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هَدَّدَهُمْ وَ أَوْعَدَهُمْ، وَ بَعْدَ الشَّفَاعَةِ أَخَذَ مِنْهُمُ الْبَيْعَةَ لِمُعَاوِيَةَ، وَ جَعَلَ عَلَيْهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَ أَحْرَقَ دُوراً كَثِيرَةً. وَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا هَرَبَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَامِلُ عَلِيٍّ (عليه السلام) عَلَيْهَا، وَ دَخَلَهَا بُسْرٌ فَشَتَمَ أَهْلَ مَكَّةَ وَ أَنَّبَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا وَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ، وَ أَخَذَ فِيهَا سُلَيْمَانَ وَ دَاوُدَ ابْنَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَذَبَحَهُمَا، وَ قَتَلَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ رِجَالًا وَ أَخَذَ أَمْوَالًا.
ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَ كَانَ يَسِيرُ وَ يُفْسِدُ فِي الْبِلَادِ، حَتَّى أَتَى صَنْعَاءَ، وَ هَرَبَ مِنْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ وَ سَعِيدٌ، فَدَخَلَهَا وَ قَتَلَ فِيهَا نَاساً كَثِيراً، وَ كَانَ هَكَذَا يُفْسِدُ فِي الْبِلَادِ. فَنَدَبَ عَلِيٌّ (عليه السلام) أَصْحَابَهُ لِبَعْثِ سَرِيَّةٍ فِي أَثَرِ بُسْرٍ فَتَثَاقَلُوا، وَ أَجَابَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، فَبَعَثَهُ فِي أَلْفَيْنِ، فَشَخَصَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرِيقَ الْحِجَازِ حَتَّى قَدِمَ يَمَنَ، وَ سَأَلَ عَنْ بُسْرٍ فَقِيلَ: أَخَذَ عَلَى بِلَادِ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ:
أَخَذَ فِي دِيَارِ قَوْمٍ يَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ. وَ بَلَغَ بُسْراً مَسِيرُ جَارِيَةَ فَانْحَدَرَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَ أَغَذَّ جَارِيَةُ السَّيْرَ، مَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَدِينَةٍ مَرَّ بِهَا، وَ لَا أَهْلِ حِصْنٍ، وَ لَا يَعْرُجُ عَلَى شَيْءٍ؛ إِلَّا أَنْ يُرْمِلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنَ الزَّادِ، فَيَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِمُوَاسَاتِهِ. أَوْ يَسْقُطَ بَعِيرُ رَجُلٍ، أَوْ تَحْفَى دَابَّتُهُ، فَيَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يُعْقِبُوهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَرْضِ الْيَمَنِ، فَهَرَبَتْ شِيعَةُ عُثْمَانَ، حَتَّى لَحِقُوا بِالْجِبَالِ، وَ اتَّبَعَهُمْ شِيعَةُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَ تَدَاعَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ أَصَابُوا مِنْهُمْ. وَ مَرَّ [جَارِيَةُ] نَحْوَ بُسْرٍ، وَ بُسْرٌ يَفِرُّ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ أَعْمَالِ عَلِيٍّ (عليه السلام) كُلِّهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، أَقَامَ جَارِيَةُ بِحَرَسَ نَحْواً مِنْ شَهْرٍ، حَتَّى اسْتَرَاحَ وَ أَرَاحَ أَصْحَابُهُ. وَ وَثَبَ النَّاسُ بِبُسْرٍ فِي طَرِيقِهِ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ جَارِيَةَ، لِسُوءِ