بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع والثلاثون 34 · صفحة 157 من 453

[صفحة 157]

وَ بَصِيرَتِي فَاسْتَرَحْتُ مِنْ مُقَاسَاتِكُمْ، فَمَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ جُمَّةٍ أَضَلَّ رَاعِيَهَا، فَكُلَّمَا ضُمَّتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَا وَ أَحَمَّ الْبَأْسُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ، وَ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا. فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَهَلَّا فَعَلْتَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَفَّانَ؟ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): يَا عُرْفَ النَّارِ وَيْلَكَ! إِنَّ فِعْلَ ابْنِ عَفَّانَ لَمَخْزَاةٌ عَلَى مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَ لَا حُجَّةَ مَعَهُ، فَكَيْفَ وَ أَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [وَ] الْحَقُّ فِي يَدِي؟! وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، يُخْذَعُ لَحْمُهُ وَ يُهْشَمُ عَظْمُهُ وَ يُفْرَى جِلْدُهُ وَ يُسْفَكُ دَمُهُ، لَضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ أَحْبَبْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَدُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيِّ، يَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيحُ مِنْهُ الْأَكُفُّ وَ الْمَعَاصِمُ، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ مَا شَاءَ. فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، صَاحِبُ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَسْمَعَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ وَ قَلْبٌ حَفِيظٌ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَكُمْ بِكَرَامَةٍ لَمْ تَقْبَلُوهَا حَقَّ قَبُولِهَا، إِنَّهُ نَزَّلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ابْنَ عَمِّ نَبِيِّكُمْ وَ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ، يُفَقِّهُكُمْ فِي الدِّينِ، وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى جِهَادِ الْمُحِلِّينَ، فَكَأَنَّكُمْ صُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، أَوْ عَلَى قُلُوبِكُمْ غُلُفٌ، مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ.

أَ فَلَا تَسْتَحْيُونَ عِبَادَ اللَّهِ! أَ لَيْسَ إِنَّمَا عَهِدَكُمْ بِالْجَوْرِ وَ الْعُدْوَانِ أَمْسِ! قَدْ شَمِلَ الْبَلَاءُ وَ شَاعَ فِي الْبِلَادِ، فَذُو حَقٍّ مَحْرُومٌ وَ مَلْطُومٌ وَجْهُهُ وَ مُوَطَّأٌ بَطْنُهُ، وَ مُلْقًى بِالْعَرَاءِ تَسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِيرُ، لَا يَكُنُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ وَ صِهْرِ الشَّمْسِ وَ الضِّحِّ، إِلَّا الْأَثْوَابُ الْهَامِدَةُ وَ بُيُوتُ الشَّعْرِ الْبَالِيَةِ، حَتَّى جَاءَكُمُ اللَّهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، وَ نَشَرَ الْعَدْلَ، وَ عَمِلَ بِمَا فِي الْكِتَابِ.

التالي صفحة 157 من 453 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...