مَا سَدَدْتُمْ لِمَقَالِ الرُّشْدِ [أَ] فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ؟! إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا، رَجُلٌ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ فُرْسَانِكُمْ وَ شُجْعَانِكُمْ، وَ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجَنَدَ وَ الْمِصْرَ وَ بَيْتَ الْمَالِ وَ جِبَايَةَ الْأَرْضِ وَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ النَّاسِ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى فِي فَلَوَاتٍ وَ شُغُفِ الْجِبَالِ، هَذَا وَ اللَّهِ الرَّأْيُ السَّوْءُ. وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِهِمْ، لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُمْ، لَقَرَّبْتُ رِكَابِي، ثُمَّ لَشَخَصْتُ عَنْكُمْ، فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شِمَالٌ، فَوَ اللَّهِ إِنَّ فِرَاقَكُمْ لَرَاحَةٌ لِلنَّفْسِ وَ الْبَدَنِ (1). فَقَامَ إِلَيْهِ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ (رحمه اللّه)، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا أَعْدَمَنَا اللَّهُ نَفْسَكَ، وَ لَا أَرَانَا فِرَاقَكَ، إِنَّا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَسَرِّحْنِي إِلَيْهِمْ.
قَالَ: فَتَجَهَّزْ فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتُ مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ. وَ قَامَ إِلَيْهِ وَهْبُ بْنُ مَسْعُودٍ الْخَثْعَمِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَنْتَدِبُ إِلَيْهِمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَانْتَدِبْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ. فَنَزَلَ [(عليه السلام) عَنِ الْمِنْبَرِ] وَ دَعَا جَارِيَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ. فَخَرَجَ مِنْهَا فِي أَلْفَيْنِ، وَ نَدَبَ مَعَ الْخَثْعَمِيِّ مِنَ الْكُوفَةِ أَلْفَيْنِ [وَ] قَالَ لَهُمَا: اخْرُجَا فِي طَلَبِ بُسْرٍ حَتَّى تَلْحَقَاهُ، [وَ] أَيْنَمَا لَحِقْتُمَاهُ فَنَاجِزَاهُ، فَإِذَا الْتَقَيْتُمَا، فَجَارِيَةُ عَلَى النَّاسِ. فَخَرَجَا فِي طَلَبِ بُسْرٍ، وَ الْتَقَيَا بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَذَهَبَا فِي طَلَبِ بُسْرٍ. وَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَلِيّاً (عليه السلام) دُخُولُ بُسْرٍ الْحِجَازَ، وَ قَتْلُهُ ابْنَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَ قَتْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ وَ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بَعَثَنِي بِكِتَابٍ فِي أَثَرِ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ بُسْراً ظَهَرَ عَلَى صَنْعَاءَ وَ أَخْرَجَ عُبَيْدَ اللَّهِ مِنْهَا وَ ابْنَ نِمْرَانَ، فَخَرَجْتُ بِالْكِتَابِ حَتَّى لَحِقْتُ بِجَارِيَةَ فَفَضَّهُ فَإِذَا فِيهِ:
____________