قال اللّه تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) (1). نعم لو كان ذلك بوصيّة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لكان كاشفا عن فضل و دليلا على شرف (2)، و ما رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ نَفْعٌ فِي الْآخِرَةِ بِالدَّفْنِ فِي الْمَشَاهِدِ الْمُشَرَّفَةِ فإنّما هو في الحقيقة إكرام لصاحب المشهد بالتفضّل على من حلّ بساحته و فاز بجواره (3) إن كان من شيعته و المخلصين له.
____________أنّ عمر سأل حذيفة هل هو من المنافقين أم لا؟. و لو لا أنّه علم من نفسه صفات تناسب صفات المنافقين لم يكن يشكّ فيها و لم يتقدم على فضيحتها.
(3) في المطبوع: بجوازه. و هو سهو.تذييل:
نودّ أن نختم بحثنا هذا ببعض الكلمات المأثورة عن خليفة القوم:
منها: ما جاء في كنز العمّال 1- 103، عن قتادة قال عمر بن الخطّاب: من قال إنّي عالم فهو جاهل، و من قال إنّي مؤمن فهو كافر!!. و قريب منه جاء في شعب الإيمان. و منها: ما قاله الضحّاك: قال عمر: يا ليتني كنت كبش أهلي سمّنوني ما بدا لهم حتّى إذا كنت أسمن ما أكون زارهم بعض من يحبّون فجعلوا بعضي شواء و بعضي قديدا ثمّ أكلوني فأخرجوني عذرة و لم أكن بشرا. ذكره المتّقي في الكنز 6- 345 و قال: أخرجه هناد. و منها: ما ذكره ابن سعد في طبقاته 3- 286، عن سالم بن عبد اللّه أنّه قال: إنّ عمر بن الخطّاب كان يدخل يده في دبرة البعير و يقول: إنّي لخائف أن أسأل عمّا بك!. و منها: ما عن سعيد بن يسار، قال: بلغ عمر بن الخطّاب أنّ رجلا بالشام يزعم أنّه مؤمن، فكتب إلى أميره أن ابعثه إليّ، فلمّا قدم قال: أنت الذي تزعم أنّك مؤمن؟. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ويحك! و ممّ ذاك؟. قال: أ و لم تكونوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم أصنافا، مشرك و منافق و مؤمن؟ ممّن أين كنتم؟ فمدّ عمر يده إليه معرفة لما قال حتّى أخذ بيده. و منها: سمع عمر بن الخطّاب رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أ فرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟!. أوردها الدميري في حياة الحيوان 2- 21، و ابن حجر في فتح الباري 6- 295 و غيرهما. و منها: قصّة شراء الخليفة للإبل من أعرابيّ، و قوله له أكثر من مرّة: إنّك رجل سوء، و قضاء عليّ (عليه السلام) لنفع الأعرابي، كما أوردها في كنز العمّال 2- 221، و المنتخب منه 2- 231- هامش مسند أحمد- و غيرهما. و أقول: عرفته الأعراب فكيف يجهل أو يتجاهله غيرهم. و منها: ما أورده في عمدة القاري 7- 143، و شرح النهج لابن أبي الحديد 3- 104- أربع مجلدات- و غيرهما من أنّه جاءت سرية لعبيد اللّه بن عمر تشكوه عند أبيه، فقالت: يا أمير المؤمنين! أ لا تعذرني في أبي عيسى؟!. قال: و من أبو عيسى؟. قالت: ابنك عبيد اللّه. قال: ويحك! و قد تكنّى بأبي عيسى؟!. و دعاه و قال: إيها! اكتنيت بأبي عيسى؟!. فحذّر و فزع، فأخذ يده فعضّها! حتى صاح، ثمّ ضربه. و هذا آخر أنواع التأديب و التعزير التي لا تعرفه إلّا حكومات الغاب. و منها: ما جاء في حاشية السيوطي المدوّنة على القاموس في لفظ (الابنة): أنّها كانت في خمسة في زمن الجاهلية أحدهم سيّدنا عمر!. و من هنا و غيره ادّعى لقب: أمير المؤمنين، حيث قال الصادق (عليه السلام) إنّه ما ادّعاه أحد غير عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلّا كان ممّن يؤتى في دبره، و ألّف صاحب تفسير نور الثقلين كتابا أثبت أنّ هذه الحالة كانت مع الخلفاء الأمويّين و العباسيين بأجمعهم، و استشهد بشواهد من الشعر و النثر على وجود تلك العاهة لكلّ واحد منهم من طريقي العامّة و الخاصّة.
هذا و نوصي بقراءة ما كتبه شيخنا الأميني- (رحمه اللّه)- تحت عنوان: نوادر الأثر في علم عمر في موسوعته الغدير 6- 83- 333. و كنّا غالبا في بحثنا هذا عيال عليه، و آخذين منه. قال في محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني 2- 213- طبعة مصر- عن ابن عبّاس قال: كنت مع عمر بن الخطّاب في ليلة- و عمر على بغل و أنا على فرس- فقرأ آية فيها ذكر عليّ بن أبي طالب، فقال: أما و اللّه يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي و من أبي بكر..!.