المغالاة لا يقتضي جواز الارتجاع، بل استلزام الحرمة له أيضا محلّ تأمّل. وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ (1)- أَيْضاً- فِي شَرْحِ غَرِيبِ أَلْفَاظِ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ خَطَبَ، فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُغَالِي بِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ حَتَّى يَكُونُ ذَلِكَ لَهَا فِي قَلْبِهِ عَدَاوَةٌ، يَقُولُ جَشِمْتُ إِلَيْكِ عَرَقَ الْقِرْبَةِ (2). قال أبو عبيدة: معناه: تكلّفت لك حتى عرقت عرق القربة، و عرقها:
سيلان مائها. وَ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (3): رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (4) قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ نِسَائِكُمْ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اللَّهُ يُعْطِينَا وَ أَنْتَ تَمْنَعُنَا (5)، وَ تَلَتْ (6) قَوْلَهُ تَعَالَى: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً... (7)
____________العرق إنّما هو للرّجل لا للقربة. قال: و أصله: أنّ القرب إنّما تحملها الإماء الزوافر، و من لا معين له، و ربّما افتقر الرّجل الكريم و احتاج إلى حملها بنفسه فيعرق لما يلحقه من المشقّة و الحياء من النّاس، فيقال: تجشّمت لك عرق القربة. و في النّهاية، في حديث عمر: جشمت إليك عرق القربة.. أي تكلّفت إليك و تعبت حتّى عرقت كعرق القربة، و عرقها سيلان مائها. و قيل: أراد بعرق القربة عرق حاملها من ثقلها. و قيل: أراد أنّي قصدتك و سافرت إليك و احتجت إلى عرق القربة و هو ماؤها. و قيل: أراد تكلّفت لك ما لم يبلغه أحد و ما لا يكون، لأنّ القربة لا تعرق. [منه ((قدّس سرّه))].
انظر: الصّحاح 4- 1522- 1523، و النّهاية 3- 220- 221.
(3) تفسير الفخر الرّازيّ 10- 13.