وَ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّانِي مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ (1): إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَهْجُرُ... (2).
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: فَاخْتَلَفَ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَقَرِّبُوا إِلَيْهِ كِتَاباً يَكْتُبْ لَكُمْ، وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَ الِاخْتِلَاطَ، قَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله): قُومُوا عَنِّي فَلَا يَنْبَغِي عِنْدِيَ التَّنَازُعُ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهُ الْحَصَى، وَ يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ. قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ: فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟. فَذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ مُنِعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَ كَانَ يَقُولُ (3):
الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ بَيْنَ كِتَابِهِ (4).
أقول:: الهجر: الهذيان. قال في جامع الأصول في شرح غريب الميم (5):
الهجر- بالفتح-: الهذيان، و هو النطق بما لا يفهم، يقال: هجر فلان إذا هذى، و أهجر: نطق (6) بالفحش، و الهجر- بالضم-: النطق بالفحش (7). و في القاموس (8): هجر في نومه و مرضه هجرا- بالضم-..: هذى، و في الصحاح (9): الهجر..: الهذيان، و قد هجر المريض يهجر هجرا فهو هاجر
____________أهجر في منطقه يهجر إهجارا: إذا أفحش، و كذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، و الاسم الهجر- بالضم-، و هجر يهجر هجرا- بالفتح-: إذا خلط في كلامه و إذا هذى.. و منه حديث مرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قالوا: ما شأنه؟ أ هجر؟.. أي اختلف كلامه بسبب المرض على سبيل الاستفهام، أي هل تغيّر كلامه و اختلط لأجل ما به من المرض، و هذا أحسن ما يقال فيه، و لا يجعل إخبارا فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان، و القائل كان عمر و لا يظنّ به ذلك!.
أقول: إن كان ما قاله عمر على سبيل الاستفهام كان اعتقاده في الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كاعتقاده في سائر الناس، و لكن صدر الحديث و ذيله لا يلائم الاستفهام، و لعلّه ترك الصدر و الذيل و نقل مختصرا منه لذلك.