بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الرابع 4 · صفحة 93 من 324

[صفحة 93]

الأنعام‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ‏ الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏

____________

و المصالح، و من هذا القبيل ايجاد الحوادث اليومية، و يقرب منه قول ابن أثير في حديث الاقرع و الابرص و الاعمى: بدا للّه عزّ و جلّ أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء هاهنا، لان القضاء سابق و البداء استصواب شي‏ء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على اللّه عزّ و جلّ محال غير جائز. انتهى. و لعله أراد بالقضاء الحكم بالوجود، و أراد بكونه سابقا أن العلم به سابق كما يرشد إليه ظاهر التعليل المذكور بعده. و منها ترجيح أحد المتقابلين و الحكم بوجوده بعد تعلق الإرادة بهما تعلقا غير حتمى، لرجحان مصلحته و شروطه على مصلحة الآخر و شروطه، و من هذا القبيل اجابة الداعي، و تحقيق مطالبه، و تطويل العمر بصلة الرحم، و إرادة ابقاء قوم بعد إرادة اهلاكهم. و منها: محو ما ثبت وجوده في وقت محدود بشروط معلومة و مصلحة مخصوصة، و قطع استمراره بعد انقضاء ذلك الوقت و الشروط و المصالح، سواء اثبت بدله لتحقّق الشروط و المصالح في إثباته أولا، و من هذا القبيل الاحياء و الاماتة و القبض و البسط في الامر التكوينى، و نسخ الاحكام بلا بدل أو معه في الامر التكليفى. و النسخ أيضا داخل في البداء كما صرّح به الصدوق في كتابى التوحيد و الاعتقادات. و من أصحابنا من خص البداء بالامر التكوينى و أخرج النسخ عنه، و ليس لهذا التخصيص وجه يعتد به، و إنّما سميت هذه المعاني بداء لأنّها مستلزمة لظهور شي‏ء على الخلق بعد ما كان مخفيا عنهم، و من ثمّ عرف البداء بعض القوم بأنّه أثر لم يعلم أحد من خلقه قبل صدوره عنه أنّه يصدر عنه. و اليهود أنكروا البداء و قالوا: يد اللّه مغلولة- غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا- و هم يعنون بذلك أنّه تعالى فرغ من الامر فليس يحدث شيئا، و نقل عنهم أيضا أنّه تعالى لا يقضى يوم السبت شيئا، و يقرب منه قول النظام من المعتزلة: إن اللّه تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هى عليه الآن: معادن و نباتات، و حيوانات و إنسانا، و لم يتقدم خلق آدم (عليه السلام) على خلق أولاده و التقدّم و التاخر إنّما يقع في ظهورها من مكانها دون حدوثها و وجودها، و كأنّه أخذ ذلك من الكمون و الظهور من مذهب الفلاسفة، و نقل صاحب الكشّاف عن الحسين بن الفضل ما يعود إلى هذا المذهب، و هو أن عبد اللّه بن طاهر دعا الحسين بن الفضل و ذكر أن من آيات اشكلت عليه قوله عز من قائل: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» و قد صح «أن القلم جف بما هو كان إلى يوم القيامة» قال الحسين:

أما قوله: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» فانها شئون بيديها لا شئون يبتديها. و هذه المذاهب عندنا باطلة لانه تعالى يحدث بعد ما يشاء في أي وقت يشاء على وفق الحكمة و المصلحة، كما دلت عليه روايات هذا الباب، و دلت عليه أيضا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الحمد للّه الذي لا يموت و لا ينقضى عجائبه، لانه كل يوم في شأن من إحداث بديع لم يكن» فانه صريح في أنّه تعالى يحدث في كل وقت ما أراد إحداثه من الاشخاص و الأحوال، و لعلّ الحسين كالسائل فهم أن ابتداءها و احداثها ينافى ما صح من جفاف القلم، و أنت تعلم أنّه لا منافاة بينهما، لان جفاف القلم دل على أن كل ما هو كائن.

التالي صفحة 93 من 324 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...