بيان ذكر المفسّرون فيه وجهين أحدهما أن المراد به إلا ذاته كما يقال وجه هذا الأمر أي حقيقته و ثانيهما أن المعنى ما أريد به وجه الله من العمل و اختلف على الأول في الهلاك هل هو الانعدام حقيقة أو أنه لإمكانه في معرض الفناء و العدم و على ما ورد في تلك الأخبار يكون المراد بالوجه الجهة كما هو في أصل اللغة فيمكن أن يراد به دين الله إذ به يتوسل إلى الله و يتوجه إلى رضوانه أو أئمة الدين فإنهم جهة الله و بهم يتوجه إلى الله و رضوانه و من أراد طاعة الله تعالى يتوجه إليهم (3).
____________«وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» أى و يبقى ذات ربك، و من الدليل على ذلك الرفع في قوله:
«ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» لانه صفة للوجه الذي هو الذات، و لو كان الوجه هاهنا بمعنى العضو المخصوص على ما ظنه الجهال لكان «و يبقى وجه ربك ذى الجلال و الإكرام» فيكون «ذى» صفة للجملة لا صفة للوجه الذي هو التخاطيط المخصوص، كما يقول القائل: رأيت وجه الامير ذى الطول و الانعام، و لا يقول:
«ذا» لان الطول و الانعام من صفات جملته، لا من صفات وجهه، و يوضح ذلك قوله في هذه السورة:
«تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» لما كان الاسم غير المسمى وصف سبحانه المضاف إليه، و لما كان الوجه في الآية المتقدمة هو النفس و الذات قال تعالى: «ذُو الْجَلالِ» و لم يقل: «ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» و يقولون: عين الشيء و نفس الشيء على هذا النحو. و قد قيل في ذلك وجه آخر و هو أن يراد بالوجه هاهنا ما قصد اللّه به من العمل الصالح و المتجر الرابح على طريق القربة و طلب الزلفة و على ذلك قول الشاعر:
«استغفر اللّه ذنبا لست محصيه* * * رب العباد إليه الوجه و العمل» أى إليه تعالى قصد الفعل الذي يستنزل به فضله و درجات عفوه، فأعلمنا سبحانه أن كل شيء هالك الا وجه دينه الذي يوصل إليه منه، و يستزلف عنده به و يجعل وسيلة إلى رضوانه و سببا لغفرانه.