بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث 3 · صفحة 87 من 341

[صفحة 87]

عُمُرِهِ مَكْفِيّاً لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ وَ كَانَ مِنْ صَوَابِ التَّدْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ جُعِلَ لَهُ فِيهَا مَوْضِعُ شُغُلٍ لِكَيْلَا تَبَرَّمَهُ الْبِطَالَةُ وَ لِتَكُفَّهُ عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَنَالُهُ وَ لَا خَيْرَ فِيهِ إِنْ نَالَهُ وَ اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَ حَيَاتِهِ الْخُبْزُ وَ الْمَاءُ فَانْظُرْ كَيْفَ دُبِّرَ الْأَمْرُ فِيهِمَا فَإِنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْمَاءِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْخُبْزِ وَ ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهُ عَلَى الْجُوعِ أَكْثَرُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْعَطَشِ وَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُبْزِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِشُرْبِهِ وَ وُضُوئِهِ وَ غُسْلِهِ وَ غَسْلِ ثِيَابِهِ وَ سَقْيِ أَنْعَامِهِ وَ زَرْعِهِ فَجُعِلَ الْمَاءُ مَبْذُولًا لَا يُشْتَرَى لِتَسْقُطَ عَنِ الْإِنْسَانِ الْمَئُونَةُ فِي طَلَبِهِ وَ تَكَلُّفِهِ وَ جُعِلَ الْخُبْزُ مُتَعَذِّراً لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْحِيلَةِ وَ الْحَرَكَةِ لِيَكُونَ لِلْإِنْسَانِ فِي ذَلِكَ شُغُلٌ يَكُفُّهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ إِلَيْهِ الْفَرَاغُ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ أَ لَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يُدْفَعُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ وَ هُوَ طِفْلٌ لَمْ يَكْمُلْ ذَاتُهُ لِلتَّعْلِيمِ كُلُّ ذَلِكَ لِيَشْتَغِلَ عَنِ اللَّعِبِ وَ الْعَبَثِ اللَّذَيْنِ رُبَّمَا جَنَيَا عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِهِ الْمَكْرُوهَ الْعَظِيمَ وَ هَكَذَا الْإِنْسَانُ لَوْ خَلَا مِنَ الشُّغُلِ لَخَرَجَ مِنَ الْأَشَرِ وَ الْعَبَثِ وَ الْبَطَرِ إِلَى مَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُ وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَنْ نَشَأَ فِي الْجِدَةِ وَ رَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ وَ التَّرَفُّهِ وَ الْكِفَايَةِ وَ مَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ اعْتَبِرْ لِمَ لَا يَتَشَابَهُ النَّاسُ وَاحِدٌ بِآخَرَ كَمَا يَتَشَابَهُ الْوُحُوشُ وَ الطَّيْرُ وَ غَيْرُ ذَلِكَ

(1)

فَإِنَّكَ تَرَى السِّرْبَ مِنَ الظِّبَاءِ وَ الْقَطَا

(2)

تَتَشَابَهُ حَتَّى لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ بَيْنَ الْأُخْرَى وَ تَرَى النَّاسَ مُخْتَلِفَةً صُوَرُهُمْ وَ خَلْقُهُمْ حَتَّى لَا يَكَادَ اثْنَانِ مِنْهُمْ يَجْتَمِعَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يَتَعَارَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ وَ حُلَاهُمْ لِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ لَيْسَ يَجْرِي بَيْنَ الْبَهَائِمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ وَ حِلْيَتِهِ أَ لَا تَرَى أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الطَّيْرِ وَ الْوَحْشِ لَا يَضُرُّهُمَا شَيْئاً وَ لَيْسَ كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَشَابَهَ التَوْأَمَانِ تَشَابُهاً شَدِيداً فَتَعْظُمُ الْمَئُونَةُ عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمَا

(1) المراد بالتشابه التشابه العرفى كما يدلّ عليه بيانه الآتي، و أمّا التشابه الحقيقي فليس منه أثر لا في الإنسان و لا في غيره و قد قام عليه البرهان و ساعده التجارب العلمى. ط.
(2) السرب- بكسر السين و سكون الراء-: القطيع من الظباء و الطير و غيرها. و القطا جمع للقطاة: طائر في حجم الحمام.
التالي صفحة 87 من 341 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...