بحار الأنوار

تأليف محمد باقر المجلسي · بحار الأنوار الجزء الثالث 3 · صفحة 112 من 341

[صفحة 112]

فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ غُرُوبِهَا لِإِقَامَةِ دَوْلَتَيِ النَّهَارِ وَ اللَّيْلِ فَلَوْ لَا طُلُوعُهَا لَبَطَلَ أَمْرُ الْعَالَمِ كُلِّهِ فَلَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَسْعَوْنَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ وَ الدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يَكُونُوا يَتَهَنَّئُونَ بِالْعَيْشِ مَعَ فَقْدِهِمْ لَذَّةَ النُّورِ وَ رَوْحَهُ وَ الْإِرْبُ فِي طُلُوعِهَا ظَاهِرٌ مُسْتَغْنٍ بِظُهُورِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ فِي ذِكْرِهِ وَ الزِّيَادَةِ فِي شَرْحِهِ بَلْ تَأَمَّلِ الْمَنْفَعَةَ فِي غُرُوبِهَا فَلَوْ لَا غَرْبُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ هَدْءٌ وَ لَا قَرَارٌ مَعَ عِظَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْهَدْءِ وَ الرَّاحَةِ لِسُكُونِ أَبْدَانِهِمْ وَ جُمُومِ حَوَاسِّهِمْ وَ انْبِعَاثِ الْقُوَّةِ الْهَاضِمَةِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَ تَنْفِيذِ الْغِذَاءِ إِلَى الْأَعْضَاءِ ثُمَّ كَانَ الْحِرْصُ يَسْتَحْمِلُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ الْعَمَلِ وَ مُطَاوَلَتِهِ عَلَى مَا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَوْ لَا جُثُومُ هَذَا اللَّيْلِ لِظُلْمَتِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَدْءٌ وَ لَا قَرَارٌ حِرْصاً عَلَى الْكَسْبِ وَ الْجَمْعِ وَ الِادِّخَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْأَرْضُ تَسْتَحْمِي بِدَوَامِ الشَّمْسِ بِضِيَائِهَا وَ تُحْمِي كُلَّ مَا عَلَيْهَا مِنْ حَيَوَانٍ وَ نَبَاتٍ فَقَدَّرَهَا اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَ تَدْبِيرِهِ تَطْلُعُ وَقْتاً وَ تَغْرُبُ وَقْتاً بِمَنْزِلَةِ سِرَاجٍ يُرْفَعُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ تَارَةً لِيَقْضُوا حَوَائِجَهُمْ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِيَهْدَءُوا وَ يَقِرُّوا فَصَارَ النُّورُ وَ الظُّلْمَةُ مَعَ تَضَادِّهِمَا مُنْقَادَيْنِ مُتَظَاهِرَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ وَ قِوَامُهُ ثُمَّ فَكِّرْ بَعْدَ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَ انْحِطَاطِهَا لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْمَصْلَحَةِ فَفِي الشِّتَاءِ تَعُودُ الْحَرَارَةُ فِي الشَّجَرِ وَ النَّبَاتِ فَيَتَوَلَّدُ فِيهِمَا مَوَادُّ الثِّمَارِ وَ يَسْتَكْثِفُ الْهَوَاءُ فَيَنْشَأُ مِنْهُ السَّحَابُ وَ الْمَطَرُ وَ تَشُدُّ أَبْدَانُ الْحَيَوَانِ وَ تَقْوَى وَ فِي الرَّبِيعِ تَتَحَرَّكُ وَ تَظْهَرُ الْمَوَادُّ الْمُتَوَلِّدَةُ فِي الشِّتَاءِ فَيَطْلُعُ النَّبَاتُ وَ تَنَوَّرُ الْأَشْجَارُ وَ يَهِيجُ الْحَيَوَانُ لِلسِّفَادِ وَ فِي الصَّيْفِ يَحْتَدِمُ الْهَوَاءُ فَتَنْضَجُ الثِّمَارُ وَ تَتَحَلَّلُ فُضُولُ الْأَبْدَانِ وَ يَجِفُّ وَجْهُ الْأَرْضِ فَتَهَيَّأُ لِلْبِنَاءِ وَ الْأَعْمَالِ وَ فِي الْخَرِيفِ يَصْفُو الْهَوَاءُ وَ يَرْتَفِعُ الْأَمْرَاضُ وَ يَصِحُّ الْأَبْدَانُ وَ يَمْتَدُّ اللَّيْلُ فَيُمْكِنُ فِيهِ بَعْضُ الْأَعْمَالِ لِطُولِهِ وَ يَطِيبُ الْهَوَاءُ فِيهِ إِلَى مَصَالِحَ أُخْرَى لَوْ تَقَصَّيْتُ لِذِكْرِهَا لَطَالَ فِيهَا الْكَلَامُ فَكِّرِ الْآنَ فِي تَنَقُّلِ الشَّمْسِ فِي الْبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِإِقَامَةِ دَوْرِ السَّنَةِ وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ الدَّوْرُ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْأَزْمِنَةُ الْأَرْبَعَةُ مِنَ السَّنَةِ الشِّتَاءُ وَ الرَّبِيعُ وَ الصَّيْفُ وَ الْخَرِيفُ وَ يَسْتَوْفِيهَا عَلَى التَّمَامِ وَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ دَوَرَانِ الشَّمْسِ تُدْرِكُ

التالي صفحة 112 من 341 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...