رأيته بعيني هاتين، وكنت خادماً له، وكنت معه في وقعة صفين، وهذه الشجة من دابة علي عليه السلام. وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن، وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر، وأنهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة، وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا. ثم إنا فاتحناه وسألناه عن قصته وحاله، وسبب طول عمره، فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له، ويجيب عنه بلب وعقل، فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها، وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وأنها تجري في الظلمات، وأنّه من شرب منها طال عمره، فحمله الحرص على دخول الظلمات فتزوّد وحمل حسب ما قدّر أنه يكتفي به في مسيره.
وأخرجني معه، وأخرج معنا خادمين [و] بازلين (۱) وعدة جمال لبون وروايا (٢) وزاداً، وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة، فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات، ثمّ دخلنا الظلمات، فسرنا فيها نحو ستة أيام ولياليها، وكنا نميز بين الليل والنهار بأنّ النهار كان أضوء قليلاً وأقل ظلمة [من الليل].
فنزلنا بين جبال وأودية وذكوات (۳) وقد كان والديه [يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لأنه وجد في الكتب التي قرأها أن مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع، فأقمنا في تلك البقعة أياماً حتّى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه (٤) جمالنا، ولولا أن جمالنا كانت لبوناً لهلكنا وتلفنا عطشاً، وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر، ويأمرنا أن نوقد ناراً ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع
۱ بزل البعير: طلع نابه، وذلك في السنة الثامنة أو التاسعة. وفي م «خادمين باذلين» وبذل الشيء: جاء به عنطيب نفس فهو باذل.
٢ - الراوية: الدابة التي يستقى عليها الماء. جمعها: روايا.٤ «أستقيناه» م.