وليس في ذلك تنقيص في نبوته أصلاً، بل في ذلك إعلاء لشأن من فوض إليه الأمر وتثبيت لإمامته، وإعلام برفعته، وقد امتثل ما أمره به فجمعه بعده. وحينئذ فان أراد أن ما كان بأيديهم إنما نسخوه من هذا المجموع المعين لا من الأماكن المتفرقة من الصدور والألواح، ففيه:
أولاً: انه لم يكن مرتبا، وإنما إلفه ورتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد هجروا مصحفه لما تقدم من طرقنا وما نقله العصامي منهم عن ابن سيرين.
نقل كلام الشيخ المفيد: وقال المفيد (رحمه الله) في المسألة التاسعة والأربعين من المسائل الإحدى والخمسين المعروفة بمسائل عكبرية بعد قول السائل: رأينا الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اختلفوا اختلافا (1) عظيما في فروع الدين وبعض أصوله، حتى لم يتفقوا على شيء منه.
وحرفوا الكتاب وجمع كل واحد منهم مصحفا [و] زعم أنه الحق، مثل أبي بن كعب وابن مسعود وعثمان بن عفان، ورويتم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع القرآن ولم يظهره، ولا تداوله الناس كما اظهر غيره. ولم يكن أبي بن كعب) وابن مسعود في نفوس الناس أجل من أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يتمكن عثمان [من منعهما مما جمعاه، ولا الحظر عليهما قراءته، فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يظهره حتى يقرؤه الناس ويعرفوه؟ وهل الحجة ثابتة بهذا المتداول أم لا؟) (3). [و] الجواب.. ثم ذكر بعض الكلام في وجه الاختلاف وقال: فأما سؤالهم عن ظهور مصحف أبي وابن مسعود، واستتار مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)، فالسبب في ذلك عظم وطأة أمير المؤمنين (عليه السلام) على ملوك الزمان، وخفة وطأة أبي وابن مسعود عليهم.. إلى أن قال: ولم يكن على القوم (كثير) (4) ضرر بظهور مصحفهما (5)، بخلاف مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) فلذلك تباينت الحالتان في مصحف القوم. انتهى).
ويظهر من السؤال والجواب: إن مستورية مصحفه (عليه السلام) من المسلمات.
(1) في المتن: (خلفا).ما ثبت في المتن من قول المحدث النوري اصح.
(4) في المصدر: (كثرة).