الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة

الشيخ يوسف بن احمد البحراني · الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ج 9 · صفحة 386 من 446

[صفحة 386]

جملة من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى: فهذه الأخبار الصحيحة الطرق الواضحة الدلالة على وجوب الجمعة على كل مسلم عدا ما استثنى تقتضي الوجوب العيني، إذ لا اشعار فيها بالتخيير بينها و بين فرد آخر خصوصا قوله (عليه السلام) (1) «من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه».

فإنه لو جاز تركها الى بدل لم يحسن هذا الإطلاق، و ليس فيها دلالة على اعتبار حضور الامام (عليه السلام) أو نائبه بوجه بل الظاهر من قوله (عليه السلام) (2) «فان كان لهم من يخطب جمعوا». و قوله (3) «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم».

خلافه كما سيجيء تحقيقه ان شاء الله تعالى و قال جدي في رسالته الشريفة التي وضعها في هذه المسألة بعد ان أورد نحو ما أوردناه من الأخبار و نعم ما قال: فكيف يسع المسلم الذي يخاف الله تعالى إذا سمع مواقع أمر الله و رسوله و الأئمة (صلوات الله عليهم) بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم ان يقصر في أمرها و يهملها الى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها و أمر الله و رسوله و خاصته (صلوات الله عليهم) أحق و مراعاته اولى، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخٰالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (4) و لعمري لقد أصابهم الأمر الأول فليرتقبوا الثاني ان لم يعف الله و يسامح (5) نسأل الله العفو و الرحمة بمنه و كرمه. انتهى.

(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة و آدابها.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و آدابها.
(4) سورة النور الآية 63.
(5) أقول: ان كان نظره «(قدس سره)» في ما ذكره الى الفقيه و هو من تكون وظيفته الرجوع في معرفة الأحكام الشرعية إلى الأدلة و استنباطها منها فاللازم على مثل هذا الشخص في هذه المسألة- كسائر المسائل الفقهية- أن يفحص بالمقدار الميسور له عن أدلتها و ينظر فيها و يستفرغ وسعه و يعمل غاية جهده في ذلك و لا يكون منه ادنى تهاون في هذا الشأن، و يلزمه العمل على طبق ما يؤدى إليه نظره ان ادى الى اللزوم، و يجزئه ذلك ان ادى الى عدم اللزوم و يكون معذورا في مخالفة الواقع ان كانت كما هو واضح، و عليه فان تم بنظره ظهور الآية و الأخبار في الوجوب التعييني و تحقق عنده الإجماع الكاشف عن قول المعصوم على عدم الوجوب التعييني فاللازم عليه ان يفتي بالوجوب التخييري لأن قول المعصوم يكون قرينة قطعية على عدم ارادة الظاهر منهما، و ان لم يتحقق عنده الإجماع على ذلك فمن الواضح انه يجب عليه الجري على ظواهر الأدلة و الفتوى على طبقها، و هل يحتمل في حق فقيه من فقهائنا أن يقصر في أمر الحكم الشرعي و يفتي بما لا يعتقد صحته بينه و بين الله و يعرض عن أمر الله تعالى و رسوله «(صلى الله عليه و آله)» المعلوم له بالدليل و يتعلل في ذلك بخلاف بعض العلماء؟ كلا ثم كلا، و انما الخلاف و الاشكال في تشخيص أمر الله و انه بأي شيء تعلق. نعم هنا شيء ربما يوجب اطمئنان الفقيه بعدم كون الحكم هو الوجوب التعييني و ان تم بنظره ظهور الآية و الأخبار فيه و لم يقم عنده إجماع على الخلاف و هو انه إذا كان الفرض يوم الجمعة هو صلاة الجمعة على التعيين لكان اللازم- مع ظهور الآية فيه و ورود الأخبار الكثيرة عنهم «ع» في شأنها بحد لم يخرج في حكم مسألة من مسائل الفقه ما خرج عنهم «ع» في هذه المسألة من الاخبار البالغة في الاشتهار و الانتشار و التهديد و التشديد و الحث الأكيد إلى حد لا يقبل الإنكار كما ذكر ذلك المصنف «(قدس سره)» في نهاية القول الثاني من الأقوال- اشتهار هذا الحكم بين أصحاب الأئمة «ع» و الفقهاء و تسالمهم عليه بل كونه من الأمور الواضحة الضرورية بين جميع الشيعة كسائر الفرائض اليومية، و حيث ان الأمر ليس كذلك بالوجدان- بل عمل الطائفة على عدم الوجوب التعييني في سائر الأعصار و الأمصار كما ذكره الشهيد في كلامه الآتي ص 392- يكشف ذلك عن ان الحكم الواضح المعروف بين أصحاب الأئمة «ع» لم يكن ذلك و إلا لاستمر وضوح الحكم الى يومنا هذا و تواتر بحيث لم يكن فيه مجال للشك و الارتياب. هذا كله إذا كان نظره الى الفقيه الذي وظيفته الاستنباط و إذا كان نظره الى من لم يبلغ مرتبة الاستنباط فمن الواضح ان وظيفته الرجوع الى الفقيه و أخذ الحكم الشرعي منه، و كل ما يفتي به من يجب عليه الرجوع اليه فهو حكم الله في حقه و ليس له العمل بما يفهمه من الأخبار. و بما ذكرناه يظهر ما في الكلام المذكور من التهويل من دون ان يقتضيه دليل.
التالي صفحة 386 من 446 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...