كنز الفوائد

الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي · كنز الفوائد الجزء الثاني 2 · صفحة 71 من 240

[صفحة 71]

الجليل ليستحق الطائعون ما سبق لهم في المعلوم و ليس نفع المخالفة بعد التبيين و التعريف و إزاحة العلة في التكليف إلا عن جان على نفسه غير ناظر في عاقبة أمره. و جواب ثان و يقال لهم لو خلق الله تعالى خلقه في الجنة لم يخل أمرهم من حالين إما أن يبيحهم الجهل به و كفر نعمته فليس بحكيم من أباح ذلك. و إما أن يأمرهم بمعرفته و شكر نعمته و الحكمة توجب ذلك فلا بد عند الأمر بالشيء من النهي عن ضده ثم لا بد من ترغيب فيما يأمر و وعد جميل على فعله و ترهيب فيما نهى عنه و وعيد على فعله. و إذا وجب الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد فقد حصلت حالهم كحالهم في الدنيا و وجب أن يكون للوعيد إنجاز فينتقلوا إلى دار الجزاء فقد انتهى الأمر إلى ما فعله سبحانه به مما لا يقتضي الحكمة غيره. فإن قالوا أ ليس الطائعون لا بد من مصيرهم إلى الجنة فألا كانت حالهم في الابتداء كحالهم في الثواب و الجزاء من حصول المعرفة و الشكر. قلنا لهم بين الوقتين فرق و ذلك أنهم إذا صاروا إلى الجنة بعد كونهم في الدنيا فقد تقدم لهم الأمر و النهي و ذاقوا البؤس و الآلام و عرفوا قدر النعمة و شاهدوا وقوع العقاب و الثواب بأهلها فكان ذلك يقوم لهم في الترغيب في المعرفة و الشكر و الانزجار عن تركهما مقام الأمر و النهي و الوعد و الوعيد. و لو ابتدأهم في الجنة لم يكونوا أمروا و لا نهوا و لا وعدوا و لا توعدوا و لا فعل بهم ما يقوم مقام ذلك فكان بمنزلة من أبيح له الجهل و الكفر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و لا يجوز أن يخلق فيهم المعرفة به ابتداء لأن الغائب لا يعرف بالضرورة إلا أن يحضر.

التالي صفحة 71 من 240 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...