و كل فرقة تدعي وجود أشياء لم تر فمن زعم أنه لا يثبت إلا ما شاهد و رأى فقد أفسد على نفسه من مذهبه و هؤلاء في العمر و لا يدرون ما هو و العمر هو اتصال كون الحي المحدود حيا فهذا الاتصال إنما يكون بدوام الحياة و الحياة فعل الله تعالى فليس يستحيل منه إدامتها و كل ما جاز أن يفعله الله تعالى من طول العمر فإنه يجوز أن يفعل مثله في دوام الصحة و القوة و عدم الضعف و الهرم. و أما الذين استعاروا كلام المنجمين من المنازعين لنا في جواز طول العمر فإنهم يعتمدون الظنون دون اليقين. و العقلاء يعلمون أن أصول المنجمين في الأحكام لا يثبت بالنظر و الدليل و بينهم من التحارب فيها و الاختلاف ما لا يخفى على المتأمل. إني وجدت في كتاب أحد علمائهم و هو الكتاب المعروف بابا لابن هبلى (1) في حكاية ذكرها عن معلمهم المقدم و أستاذهم المفضل الذي يعولون عليه في الأحكام و يستندون إلى كلامه و ما يدعيه و هو المعروف بما شاء الله (2) أنا موردها ففيها أكبر حجة عليهم في هذه المسألة التي خالفونا فيها. قال ما شاء الله الباب الأعظم من الهيلاج الذي يدل على العمر الكثير فإنه يكون المولود
(1) هو على الظاهر تحريف عن ابن هبتني أو هبنتة، و هو منجم نصراني عاش في بغداد و ألف كتابا في التنجيم أسماه المغني بعد سنة 330 ه- 941 م، و كان الجزء الثاني منه لا يزال محفوظا في مكتبة مونيخ، و ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون مع اسم ابن هبنتة محرفا انظر (دائرة المعارف اللبنانية. ج 7 ص 117).