عيّاب و لا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه و لا يخيّب مؤمّله.
قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، و الإكثار، و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، و لا يعيّره، و لا يطلب عثراته و لا عوراته، و لا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير (1)، و إذا سكت تكلّموا و لا يتنازعون عنده الحديث (2)، من تكلّم أنصتوا له حتى يفرغ (3)، حديثهم عنده حديث أولهم (4). يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجبون منه، و يصبر على الغريب (5) على الجفوة (6) في مسألته و منطقه حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم (7)، و يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه (8)، و لا يقبل الثناء إلّا من مكافئ (9)، و لا يقطع على أحد
(1) على رؤوسهم الطير: قال الجزري: وصفهم بالسكون و الوقار، لأن الطير لا تكاد تقع إلّا على شيء ساكن.