و الأنصار يظلمون دونك (1)، و لا يرقبون في مؤمن إلّا (2) و لا ذمّة، و يأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه، و يعجز عن نفقته، فلا يجد من يشكو إليه حاله، و لا يصل إليك فاتّق اللّه يا أمير المؤمنين في امور المسلمين، و ارجع إلى بيت النبوّة، و معدن المهاجرين و الأنصار، أ ما علمت يا أمير المؤمنين أنّ والي المسلمين مثل العمود (3) في وسط الفسطاط، من أراده أخذه. قال المأمون: يا سيّدي! فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج من هذه البلاد، و تتحوّل إلى موضع آبائك و أجدادك، و تنظر في امور المسلمين، و لا تكلهم إلى غيرك، فإنّ اللّه تعالى سائلك عمّا ولّاك. فقام المأمون فقال: نعم ما قلت يا سيّدي هذا هو الرأي.
فخرج و أمر أن تقدّم النوائب (4)، و بلغ ذلك ذا الرئاستين، فغمّه غمّا شديدا، و قد كان غلب على الأمر، و لم يكن للمأمون عنده رأي، فلم يجسر أن يكاشفه، ثمّ قوي الرضا (5) (عليه السلام) جدا، فجاء ذو الرئاستين إلى المأمون.
فقال [له]: يا أمير المؤمنين، ما هذا الرأي الّذي أمرت به؟
فقال: أمرني سيّدي أبو الحسن بذلك، و هو الصواب.
فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا بصواب، قتلت بالأمس أخاك، و أزلت الخلافة عنه، و بنو أبيك معادون لك، و جميع أهل العراق و أهل بيتك و العرب، ثمّ أحدثت هذا الحدث الثاني، إنّك جعلت ولاية العهد لأبي الحسن و أخرجتها من بني أبيك، و العامّة و العلماء و الفقهاء و آل عبّاس لا يرضون بذلك!
(1)- «بيان: قوله: يظلمون على البناء للمجهول. دونك، أي قبل أن يصلوا إليك» منه ره.