فأيّكم ليس معه تسعة و تسعون من المفسدين في الأرض، قد اتّخذتموهم شعارا و دثارا، استخفافا بالمعاد، و قلّة يقين بالحساب، و أيّكم له رأى يتّبع، أو رويّة تنفع، فشاهت الوجوه، و عفّرت الخدود. و أما ما ذكرتم من العثرة كانت في أبي الحسن نوّر اللّه وجهه، فلعمري إنّها عندي للنهضة و الاستقلال الّذي أرجو به قطع الصراط، و الأمن و النجاة من الخوف يوم الفزع الأكبر، و لا أظنّ عملت عملا هو عندي أفضل من ذلك، إلّا أن أعود بمثلها إلى مثله، و أين لي بذلك، و أنّى لكم بتلك السعادة. و أمّا قولكم: إنّي سفّهت آراء آبائكم، و أحلام أسلافكم، فكذلك قال مشركو قريش: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» (1) ويلكم! إنّ الدين لا يؤخذ إلّا من الأنبياء، فافقهوا، و ما أراكم تعقلون. و أمّا تعييركم إيّاي بسياسة المجوس إيّاكم، فما أذهبكم الأنفة من ذلك و لو ساستكم القردة و الخنازير، ما أردتم إلّا أمير المؤمنين، و لعمري لقد كانوا مجوسا فأسلموا كآبائنا و امهاتنا في القديم، فهم المجوس الذين أسلموا، و أنتم المسلمون الذين ارتدّوا، فمجوسيّ أسلم خير من مسلم ارتدّ، فهم يتناهون عن المنكر، و يأمرون بالمعروف، و يتقرّبون من الخير، و يتباعدون من الشرّ، و يذبّون عن حرم المسلمين، يتباهجون بما نال الشرك و أهله من المنكر، و يتباشرون بما نال الإسلام و أهله من الخير (2) «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (3). و ليس منكم إلّا لاعب بنفسه، مأفون (4) في عقله و تدبيره، إمّا مغنّ، أو ضارب دفّ، أو زامر، و اللّه لو أنّ بني اميّة الذين قتلتموهم بالأمس نشروا، فقيل لهم:
(1)- الزخرف: 23.ذكره الجوهريّ» منه ره.