فقال هشام بن عبد الملك: إنّ عليّا (عليه السّلام) كان يدّعي علم الغيب، و اللّه لم يطلع على غيبه أحدا، فمن أين ادّعى ذلك؟ فقال أبي: إنّ اللّه جلّ ذكره أنزل على نبيّه (صلى اللّه عليه و آله) كتابا بيّن فيه ما كان، و ما يكون إلى يوم القيامة، في قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (1). و في قوله: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (2). و في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (3).
[و في قوله: وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (4)]. و أوحى اللّه إلى نبيّه (صلى اللّه عليه و آله)، أن لا يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلّا يناجي به عليّا، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده (5)، و يتولّى غسله، و تكفينه، و تحنيطه من دون قومه، و قال لأصحابه: «حرام على أصحابي و أهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي عليّ، فإنّه منّي و أنا منه، له مالي و عليه ما عليّ، و هو قاضي ديني، و منجز و عدي». ثمّ قال لأصحابه:
«عليّ بن أبي طالب، يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله» (6). و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله و تمامه إلّا عند عليّ (عليه السّلام)، و لذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «أقضاكم عليّ» (7) أي هو قاضيكم؛ و قال عمر بن الخطاب: لو لا عليّ لهلك عمر (8). يشهد له عمر، و يجحده غيره؟!
فأطرق هشام طويلا، ثمّ رفع رأسه، فقال: سل حاجتك. فقال: خلّفت عيالي و أهلي مستوحشين لخروجي. فقال: قد آنس اللّه وحشتهم برجوعك إليهم، و لا تقم، سر من يومك. فاعتنقه أبي، و دعا له، و فعلت أنا كفعل أبي؛
(1)- النحل: 89. و في ع هكذا «و هدى و موعظة للمتقين» من اشتباهات النساخ.