و جعلت أعلاها أسفلها، فكان لا يبقى فيها دار و لا جدار، فما أنزلونا و أولياءنا من أعدائنا هذه المنزلة غيرهم، و لكنّي أمرني مولاي أن احرّكه تحريكا ساكنا؛ ثمّ صعد (عليه السّلام) المنارة، و أنا أراه و الناس لا يرونه، فمدّ يده و أدارها حول المنارة، فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة، و تهدّمت دور، ثمّ تلا الباقر (صلوات الله عليه):
ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (1). و تلا أيضا: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها (2). و تلا: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (3). قال جابر: فخرجت العواتق من خدورهنّ (4) في الزلزلة الثانية، يبكين و يتضرّعن منكشفات لا يلتفت إليهنّ أحد، فلمّا نظر الباقر (عليه السّلام) إلى تحيّر العواتق رقّ لهنّ فوضع الخيط في كمّه، و سكنت الزلزلة، ثمّ نزل عن المنارة و الناس لا يرونه، و أخذ بيدي حتى خرجنا من المسجد، فمررنا بحدّاد اجتمع الناس بباب حانوته، و الحدّاد يقول: أ ما سمعتم الهمهمة في الهدم؟ فقال بعضهم: بل كانت همهمة كثيرة. و قال قوم آخرون: بل- و اللّه- كلام كثير إلّا أنّا لم نقف على الكلام. قال جابر رضي اللّه عنه: فنظر إليّ الباقر (عليه السّلام) و تبسّم، ثمّ قال: يا جابر هذا لما طغوا و بغوا. فقلت: يا ابن رسول اللّه ما هذا الخيط الذي فيه العجب؟ فقال:
بقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون، تحمله الملائكة، و نزل به جبرئيل (عليه السّلام)؛ و يحك يا جابر! إنّا من اللّه تعالى بمكان و منزلة رفيعة، فلولا نحن لم يخلق اللّه تعالى سماء و لا أرضا، و لا جنّة و لا نارا، و لا شمسا و لا قمرا، و لا جنّا و لا إنسا؛ و يحك يا جابر! لا يقاس بنا أحد، يا جابر بنا- و اللّه- أنقذكم اللّه، و بنا نعشكم (5) و بنا هداكم، و نحن- و اللّه- دللناكم على ربّكم، فقفوا عند أمرنا و نهينا، و لا تردّوا
(1)- الأنعام: 146، سبأ: 17.و هي ناحية من البيت يترك عليها ستر، فتكون فيها الجارية البكر» منه ره.
(5)- «بعثكم» ع.