و أمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضر موت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس، و قال مثل ذلك للقعقاع الذّهلي و شبث بن ربعيّ التميميّ و حجّار بن أبجر السلمي (1) و شمر بن ذي الجوشن العامري، و حبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلّة عدد من معه من الناس.
فخرج كثير بن شهاب يخذّل الناس عن مسلم و خرج محمّد بن الأشعث حتّى وقف عند دور بني عمارة فبعث ابن عقيل (2) إلى محمّد بن الأشعث [من المسجد] عبد الرحمن بن شريح الشيباني (3). فلمّا رأى ابن الأشعث كثرة من أتاه تأخّر عن مكانه، و جعل محمّد بن الأشعث و كثير بن شهاب و القعقاع بن ثور الذهلي و شبث بن ربعيّ يردّون الناس عن اللحوق بمسلم، و يخوّفونهم السلطان، حتّى اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم و غيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل دار الروميّين، و دخل القوم معهم.
فقال [له] كثير بن شهاب: أصالح اللّه الأمير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس و من شرطك و أهل بيتك و مواليك (4) فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد اللّه، و عقد لشبث بن ربعي لواء و أخرجه، و أقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتّى السماء و أمرهم شديد، فبعث عبيد اللّه إلى الأشراف فجمعهم ثمّ أشرفوا على الناس فمنّوا (5) أهل الطاعة الزيادة و الكرامة، و خوّفوا أهل المعصية الحرمان و العقوبة، و أعلموهم وصول الجند من الشام إليهم. و تكلّم كثير بن شهاب حتّى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيّها الناس الحقوا بأهاليكم و لا تعجلوا الشرّ و لا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، و قد أعطى اللّه الأمير عهدا لئن تمّمتم (6) على حربه و لم تنصرفوا من عشيّتكم، أن يحرم (7) ذريّتكم العطاء، و يفرّق مقاتليكم في مغازي (8) الشام، و أن
(1)- في المصدر: العجلي.