و انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أزواجه فأمرهنّ أن يدففن لفاطمة، فضربن بالدفوف. قال عليّ: فأقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: يا أبا الحسن! انطلق الآن، فبع درعك و ائتني بثمنه حتّى أهيّئ لك و لابنتي فاطمة ما يصلحكما. قال عليّ: فانطلقت فبعته بأربعمائة درهم سود هجريّة من عثمان بن عفّان (1)؛
فلمّا قبضت الدراهم منه و قبض الدرع منّي قال: يا أبا الحسن! لست أولى بالدرع منك و أنت أولى بالدراهم منّي، فقلت: بلى. قال: فإنّ الدرع هديّة منّي إليك، فأخذت الدرع و الدراهم، و أقبلت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فطرحت الدرع و الدراهم بين يديه. و قبض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قبضة من الدراهم، و دعا بأبي بكر فدفعها إليه، و قال:
يا أبا بكر، اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، و بعث معه سلمان و بلالا ليعيناه على حمل ما يشتريه. قال أبو بكر: و كانت الدراهم الّتي أعطانيها ثلاثة و ستّين درهما، فانطلقت و اشتريت فراشا من خيش (2) مصر محشوّا بالصوف، و نطعا من أدم (3)، و وسادة من أدم حشوها من ليف النخل، و عباءة خيبريّة، و قربة للماء، و كيزانا (4) و جرارا (5)، و مطهرة للماء، و ستر صوف رقيقا، و حملناه جميعا حتّى وضعناه بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)؛
فلمّا نظر إليه بكى و جرت دموعه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء و قال:
اللهمّ بارك لقوم جلّ آنيتهم الخزف. قال عليّ: و دفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) باقي ثمن الدرع إلى أمّ سلمة، فقال:
(1) كذا، لعبت بني اميّة و الأيادي الخبيثة بالأحاديث، و قد مرّ في أوّل الباب:- فقال عليّ (عليه السّلام)-: يا رسول اللّه، بعت الدرع بأربعمائة درهم و دينار، و قد اشتراها دحية و سألني أن أقبل الدرع هديّة، فما تأمرني أقبلها منه أم لا؟
فتبسّم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: ليس هو دحية، لكنّه جبرئيل، و الدراهم من عند اللّه.
(2) ثياب رقاق النسج غلاظ الخيوط، تتّخذ من مشاقة الكتّان و من أردئه (لسان العرب: 6/ 301).