و أنّها استقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها، و طحنت بالرحى حتّى مجلت (1) يداها، و كسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، و أوقدت النار تحت القدر حتّى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد.
فقلت لها: لو أتيت أباك فسألته خادما يكفيك حرّ ما أنت فيه من هذا العمل؛
فأتت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فوجدت عنده حدّاثا (2) فاستحت فانصرفت. قال: فعلم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّها جاءت لحاجة. قال: فغدا علينا [رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم)] و نحن في لفاعنا (3) فقال:
السلام عليكم يا أهل اللفاع، فسكتنا و استحيينا لمكاننا، ثمّ قال: السلام عليكم، فسكتنا، ثمّ قال:
السلام عليكم فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف، و قد كان يفعل ذلك يسلّم ثلاثا، فإن اذن له، و إلّا انصرف.
فقلت: و عليك السلام يا رسول اللّه، ادخل، فلم يعد أن جلس (4) عند رءوسنا؛
فقال: يا فاطمة، ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟ قال: فخشيت إن لم نجبه أن يقوم، قال: فأخرجت رأسي، فقلت:
أنا- و اللّه- اخبرك يا رسول اللّه، إنّها استقت بالقربة حتّى أثّرت في صدرها، و جرت بالرحى حتّى مجلت يداها، و كسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، و أوقدت تحت القدر حتّى
(1) قال الجزري: مجلت يده تمجّل مجلا، إذا ثخن جلدها في العمل بالأشياء الصلبة؛و منها حديث فاطمة (عليها السّلام): أنّها شكت إلى عليّ (عليه السّلام) مجل يدها من الطحن؛
(2) و قال: في حديث فاطمة (عليها السّلام) أنّها جاءت إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فوجدت عنده حدّاثا، أي جماعة يتحدّثون، و هو جمع على غير قياس حملا على نظيره، نحو سامر و سمّار فإنّ السمّار المحدّثون؛و قد دخلنا في لفاعنا، أي لحافنا؛
(4) قوله: فلم يعد أن جلس، أي لم يتجاوز عن الجلوس، من عدا يعدو، قال الجوهري: عداه أي جاوزه، و ما عدا فلان أن صنع كذا؛