مستدرك عوالم العلوم و المعارف

الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني · مستدرك عوالم العلوم و المعارف ج 11 1 · صفحة 236 من 536

[صفحة 236]

فإذا هي جالسة و عليها قطعة عباء (1)، إذا خمّرت رأسها انجلى ساقها، و إذا غطّت ساقها انكشف رأسها، فلمّا نظرت إليّ اعتجرت (2) ثمّ قالت:

يا سلمان! جفوتني بعد وفاة أبي. قلت: حبيبتي أ أجفاكم؟!

قالت: فمه (3)، اجلس و اعقل ما أقول لك.

إنّي كنت جالسة بالأمس في هذا المجلس، و باب الدار مغلق، و أنا أتفكّر في انقطاع الوحي عنّا، و انصراف الملائكة عن منزلنا، فإذا انفتح الباب من غير أن يفتحه أحد، فدخل عليّ ثلاث جوار لم ير الراءون بحسنهنّ، و لا كهيئتهنّ و لا نضارة وجوههنّ، و لا أزكى من ريحهنّ، فلمّا رأيتهنّ قمت إليهنّ متنكّرة لهنّ.

فقلت: أنتنّ من أهل مكّة أم من أهل المدينة؟ فقلن: يا بنت محمّد! لسنا من أهل مكّة، و لا من أهل المدينة، و لا من أهل الأرض جميعا، غير أنّنا جوار من الحور العين من دار السلام، أرسلنا ربّ العزّة إليك، يا بنت محمّد! إنّا إليك مشتاقات؛

فقلت للّتي أظنّ أنّها أكبر سنّا: ما اسمك؟ قالت: اسمي مقدودة، قلت: و لم سمّيت مقدودة؟ قالت: خلقت للمقداد بن الأسود الكندي صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقلت للثانية: ما اسمك؟

قالت: ذرّة (4)، قلت: و لم سمّيت ذرّة و أنت في عيني نبيلة؟!

قالت: خلقت لأبي ذرّ الغفاري صاحب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم).

(1) علما بأنّ سلمانا لا يدخل بيتا لا يدخله الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قبل أن يؤذن له، و أنّ ربيبة الوحي و العصمة- الّتي تتورّع عن الأعمى- لا تأذن لأحد غير متستّرة، فالعباءة كانت صفة للعباءة القصيرة الّتي لبستها بضعة الرسول (عليها السّلام) و اقتنعت بها فوق ثيابها الساترة، آه ... لكن القوم دخلوه عنوة و بغير استئذان، و كسروا ضلعها و اسقطوا جنينها.
(2) الاعتجار: لفّ العمامة على الرأس.
(3) فمه: أي فما السبب في ترك زيارتنا؟ أو اسكت.
(4) و لمّا كانت الذرّة موضوعة للصغيرة من النملة قالت (عليها السّلام): أنت مع نبلك و شرفك لم سمّيت باسم يدلّ على الحقارة؟! منه (ره).
التالي صفحة 236 من 536 السابق

الفهرس الآلي

جاري استخراج الفهرس...

البحث داخل هذا الجزء

ابحث عن أي كلمة لتظهر لك الصفحات هنا...